لماذا خالف الجويني ومن بعده من أئمة الأشاعرة شيخهم الأشعري في الإضافات الخبرية؟
سؤال يطرحه الوهابية كثيرا ليقولوا بأن الأشاعرة انقلبوا على شيخهم.
لتوضيح هذه المسألة توضيحا تاما، سأفرض حوارا بيني وبين سائل، أبين تفصيل المسألة من خلاله:
السائل: لماذا خالف الإمام الجويني ومن بعده من أئمة الأشاعرة كالغزالي والرازي والآمدي شيخهم الأشعري في اعتقاد الإضافات الخبرية كاليد والوجه صفات معان سمعية؟
أقول: عليك أن تعرف أن المذهب الأشعري مذهب يتبع الدليل، وليس هو تقليدا لإمام المذهب، والإمام الجويني ومن بعده لم يجدوا دليلا قاطعا يثبت أن هذه الإضافات الخبرية صفات معان.
السائل: ألا يلزم من ذلك تعطيل الصفات الخبرية كاليد والوجه؟
أقول: المعطل للصفات هو الذي ينكر أصل قيام صفات وجودية بالذات الإلهية، وليس من يثبت صفة دون صفة، بمعنى أن الجويني أنكر أنها صفات لأنها لم تثبت عنده صفات، لا لأنه معطل للصفات.
السائل: يعني الإمام الأشعري كان مخطئا بجعلها صفات؟
أقول: الإمام الأشعري اجتهد في المسألة فأوصله اجتهاده إلى الأخذ بقول من سبقه لذلك من أئمة السلف، والإمام الجويني اجتهد فوجد أن إثبات الإمام الأشعري لها صفات لم يكن عن دليل قاطع، والعقائد لا تثبت إلا بالقواطع لذلك توقف فيها مفوضا معناها في آخر ما انتهى إليه.
السائل: ما هي الأدلة التي اعتمد عليها الجويني لعدم ثبوت كونها صفات معان؟
أقول: بأبسط عبارة، اليد والوجه وباقي الإضافات ليس صفات معان في الشاهد، هي أعيان، فجعلها صفات معان قلب لحقائقها وهو باطل عقلا، كما أن تأويل الأعيان بالمعاني مما لا يعرف في اللغة، كما أن الصفة يوصف بها الموصوف، فصفة القدرة يوصف الله بها أنه قادر، وكذا صفة العلم يوصف بأنه عالم….وهكذا، وأما اليدان فلا يوصف بها الله بذي اليدين، ولا يوصف بذي الوجه، ولا يجوز ذلك، فما لا يجوز وصف الموصوف بها فليس صفة.
السائل: يعني الإمام الأشعري لم يتفطن لما تفطن إليه الجويني؟
أقول: على غالب الظن، بلى تفطن فهو إمام أهل السنة، ولكنه علم أن هذه الإضافات لا بد من الاجتهاد فيها ردا على المعطلة في زمنه، لذلك اختار باجتهاده أن تكون صفات معان.
السائل: ولكن يقوي مذهب الإمام الأشعري إجماع السلف على أنها صفات، فكيف خالف الجويني ومن بعده إجماع السلف؟
أقول: لا يوجد إجماع للسلف في كون الإضافات الخبرية صفات، بل ورد عنهم ثلاثة مذاهب:
الأول: التوقف فيها وإمرارها كما جاءت، وهؤلاء هم جمهور السلف وغالبيتهم من المحدثين الذين قالوا فيها: أمروها كما جاءت بلا كيف…قراءتها تفسيرها…
فلم يذكروا أنها صفات.
الثاني: ورد عن بعض السلف ومنهم صحابة تأويل بعض هذه الإضافات.
الثالث: القول بأنها صفات. وعلى غالب الظن الذين قالوا إنها صفات هم متكلمو أهل السنة الذين يقارعون أهل البدع، وعلى رأسهم الإمام الأعظم أبو حنيفة الذي قال في الفقه الأكبر: (يده صفته بلا كيف). وابن كُلاّب، والقلاونسي، والكرابيسي والأشعري…
فلا إجماع في أنها صفات، وإنما هو اجتهاد كان يناسبهم للرد على أهل البدع في عصرهم.
وأما في عصر الجويني ومن بعده فرأوا أن التبرع بتأويلها يناسب الرد على أهل البدع الذين تطورت بدعهم في عصرهم.
وأما الأسلم في الاعتقاد فهو التوقف فيها وتفويض معانيها لقائلها.
ولكلٍ اجتهاده المأجور عليه.
وليس بعد الحق إلا الضلال.