منهج ابن تيمية_الجدلي 16
[المراهنة على الجهل]
يقول الإمام فخر الدِّين الرَّازيُّ في كتاب (تأسيس التَّقديس): “الفصل الثّاني والثَّلاثون، في أنَّ البراهين العقليَّة إذا صارت معارضة <بالظَّواهر النّقليَّة> فكيف يكون الحال فيها
اعلم أنَّ <الدَّلائل القطعيَّة العقليَّة> إذا قامت على ثبوت شيء ثمَّ وجدنا <أدلَّة نقليَّة يُشعر ظاهرها بخلاف ذلك>؛ فهاهنا لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إمَّا أن نصدِّق مقتضى العقل والنَّقل، فيلزم تصديق النَّقيضين، وهو محال.
وإمَّا أن نبطلهما، فيلزم تكذيب النَّقيضين، وهو محال.
وإمَّا أن نصدِّق <الظَّواهر النَّقليَّة> ونكذِّب الظَّواهر العقليَّة، وذلك باطل لأنَّه لا يمكننا أن نعرف صحَّة الظَّواهر النَّقليَّة إلا إذا عرفنا بالدَّلائل العقليَّة إثبات الصَّانع وصفاته، وكيفيَّة دلالة المعجزة على صدق الرَّسول وظهور المعجزات على يد محمَّد عليه السَّلام. ولو جوَّزنا القدح في الدَّلائل العقليَّة <القطعيَّة> صار العقل متَّهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج [عن] أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدَّلائل النَّقليَّة عن كونها مفيدة.
فثبت أنَّ القدح في العقل لتصحيح النَّقل يفضي إلى القدح في العقل والنَّقل معاً، وإنَّه باطل.
ولمَّا بطلت الأقسام الثَّلاثة لم يبق إلا أن نقطع بمقتضى <الدَّلائل العقليَّة القاطعة> ونقطع بأنَّ هذه الدَّلائل النَّقليَّة إمَّا أن يقال إنَّها غير صحيحة أو إن كانت صحيحة إلا أنَّ المراد منها غير ظواهرها.
ثمَّ إن جوَّزنا التَّأويل اشتغلنا على سبيل التَّبرُّع بذكر تلك التأويلات على التَّفصيل.
وإن لم يجز التَّأويل فوَّضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلِّيُّ المرجوع إليه <في جميع المتشابهات>، والله أعلم”.
يقول ابن تيميَّة في أوَّل كتاب (درء تعارض العقل والنَّقل)(1) بعد خطبة الكتاب: “قول القائل: <إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات>، فإما أن يجمع بينهما، وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يُرَدّا جميعاً، وإما أن يقدم السمع، وهو محال، لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض.
وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما، ولم يمتنع ارتفاعهما.
وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانوناً كلياً فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام، وما لا يستدل به، ولهذا ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى، وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها، وظن هؤلاء أن العقل يعارضها، وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين”.
ثمَّ يذكر ابن تيميَّة جواب القول الذي نسبه إلى الإمام الفخر الرَّازيِّ وغيرِه فيقول: “وبيان ذلك بتقديم أصل، وهو أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان، سواء كانا سمعيين أو عقليين، أو أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين، أو يكونا ظنيين، وإما أن يكونا أحدهما قطعياً ولآخر ظنياً.
فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما: سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقلياً والآخر سمعياً، وهذا متفق عليه بين العقلاء، لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله: ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة.
وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين، وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين.
وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعياً دون الآخر فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يرفع اليقين.
وأما إن كانا جميعاً ظنيين: فإنه يصار إلي طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم، سواء كان سميعاً أو عقلياً”.
اااااااااااا
أقول: انتبه أخي المسلم العاقل المنصف إلى عبارة الإمام الرَّازيِّ الدَّقيقة، ثمَّ انتبه إلى ما ينسبه ابن تيميَّة إلى الإمام الرَّازيِّ بدقَّة…
الإمام الرَّازيُّ يذكر في هذا القانون ما يلزم في حال تعارض قطعيٍّ عقليٍّ مع (ظاهر) نقليٍّ، مع أدلَّة نقليَّة يُشعِر ظاهرها بمخالفة مدلول الدَّليل العقليِّ القطعيِّ، وليس كلامه على التَّعارض بين الدَّليل العقليِّ والنَّقليِّ مطلقاً.
و(الظَّاهر) الذي يقصد الإمام الرَّازيُّ ما كان راجح المعنى مع احتمال غيره، أي إنَّه لا يكون قطعيَّ الدِّلالة، وهذا قد قرَّره الإمام الرَّازيُّ في كتاب (تأسيس التَّقديس) الذي منه النَّقل السَّابق(2).
أمَّا عبارة ابن تيميَّة فصريحة في أنَّ هذا القانون الذي ذكر الإمام الفخر الرَّازيُّ في حال التَّعارض بين العقل والنَّقل مطلقاً، فيورد ابن تيميَّة هذه الإطلاقات المختلفة “قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات” كأنَّها لها معنى واحد، مع أنَّ المعنى مختلف جدّاً.
ثمَّ يذكر ابن تيميَّة الجواب عن التَّعارض بين الدَّليلين العقليِّ والنَّقليِّ بأنَّه ليس واحداً، فهو إن فُرض فإمَّا بين قطعيَّين أو قطعيٍّ وظنِّيٍّ أو ظنِّيَّن.
اااااااااااا
وهنا فلنسأل المسلم العاقل المنصف بأن ما الذي سيفهمه القارئ من تعبير ابن تيميَّة عن كلام الإمام الرَّازيِّ؟
أليس سيفهم أنَّ الإمام الرَّازيَّ يقول بالتَّعارض بين العقل والنَّقل مطلقاً(3)؟
وكلام الفخر قطعاً ليس على هذه الصُّورة.
والآن… هل تصدِّق أخي بأنَّ ابن تيميَّة لم يفهم مقصود الإمام الفخر؟
صعب جدّاً جداً، فإنَّ الفخر نفسه قد قرَّر معنى الظَّاهر في هذا الكتاب وكتبه الأخرى بما لا يخفى على مطَّلع.
فيبقى أنَّ ابن تيميَّة فاهم لما قال الفخر متعمِّد للتَّعبير عنه بهذه الطَّريقة (4)، خاصَّة أنَّ هذا الجواب الذي أجاب به ابن تيميَّة قد قرَّره الإمام الفخر في كتاب (المحصول) (5) مثلاً وطبَّقه في مواضع عدَّة، فهل يكون قد خفي على ابن تيميَّة أن الإمام الفخر قد قرَّر هذا ثمَّ أعاد ابن تيميَّة (ابتكاره)؟!
أو إنَّ ابن تيميَّة قد تعلَّم هذا التَّفريق بين القطعيِّ والظَّنِّيِّ من غيره -من الإمام الفخر أو غيره- ثمَّ جعله جواباً لما أوهم القارئ بأنَّه كلام الإمام الفخر؟!
اااااااااااا
على المسلم العاقل المنصف المتّقي لله تعالى الباحث في تراث العلماء المتوقِّع أنَّ ابن تيميَّة محِقٌّ محقِّق في كتبه أن يراجع هذا المنقول عن الإمام الفخر وعن ابن تيميَّة، ولينظر في الاحتمالات…
فهل لم يفهم ابن تيميَّة مراد الإمام الفخر من (ظواهر النُّصوص)؟ هذا الذي يتعلَّمه المبتدئون في أصول الفقه؟!
أو إنَّ ابن تيميَّة كان يفهم ذلك لكنَّه تعمَّده تشنيعاً بالكذب على الإمام الفخر؟
أو إنَّك يا أخي ترى ابن تيميَّة مصيباً في هذا؟! فأرجو منك بطلب حقيقيِّ بأن تبيِّن صحَّة اتِّهام ابن تيميَّة للإمام الفخر بأن تأتي بنصٍّ للإمام الفخر يقول إنَّه إن تعارض العقل والنَّقل فلا بدَّ من تقديم العقل، هكذا بالإطلاق.
فابحث يا أخي وانظر وتفكَّر (6).
وبعد ذلك كلِّه ستصل بإذن الله تعالى إلى حقيقة منهج ابن تيميَّة مع خصومه.
اااااااااااا
(1) يظهر أنَّ هذا سبب كتابة ابن تيميَّة لهذا الكتاب.
(2) قال رحمه الله في الفصل الثَّاني من القسم الثَّالث: “اللَّفظ الذي جُعِلَ موضوعاً لمعنى فإمَّا أن يكون محتملاً لغيره ذلك المعنى أو لا يكون، فإن كان موضوعاً لمعنى ولم يكن محتملاً لغيره فهو النَّص. وإن كان محتملاً لغير ذلك المعنى فإمَّا أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر وإمَّا ألّاً يكون، بل يكون احتماله لهما على السَّويَّة، فإن كان احتماله لأحدهما راجخاً على احتماله للآخر كان ذلك اللَّفظ بالنِّسبة إلى الرَّاجخ ظاهراً وبالنِّسبة إلى المرجوح مؤوَّلاً. وأمَّا إن كان احتماله لهما على السَّويَّة كان اللَّفظ بالنِّسبة إليهما معاً مشتركاً وبالنِّسبة إلى كلِّ واحد منهما على التَّعيين مجملاً”.
(3) وهذا ما حصل بالفعل مع أحد التَّيمية (المثقفين) المعاصرين، فذكر أنَّ الإمام الفخر يقول بالتَّعارض بين العقل والنَّقل مطلقاً وأنَّ ابن تيميَّة قد (ابتكر) -أذكر أن جاء هذا الشَّخص بهذا اللَّفظ أو قريب منه- التَّفريق بين كون التَّعارض بين قطعيٍّ وقطعيٍّ أو قطعيٍّ وظنِّيٍّ أو ظنِّيَّين!
(4) وكذلك نسب هذا القول كذباً إلى الإمام الغزاليِّ رضي الله عنه، فيقول ابن تيميَّة بعد ما سبق: “وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة، منهم أبو حامد”.
مع أنَّ الإمام الغزاليَّ رحمه الله ورضي عنه قد صرَّح في بداية كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) بنقيض ذلك وذمَّ من قال بمصادمة العقل والنَّقل، فقال: “الحمد لله الذي اجتبى مِن صفوة عباده عصابة الحقِّ وأهل السُّنَّة، وخصَّهم من بين سائر الفرق بمزايا اللُّطف والمنَّة، وأفاض عليهم من نور هدايته ما كشف به عن حقائق الدِّين، وأنطق ألسنتهم بحجَّته التي قمع بها ضلال الملحدين، وصفَّى سرائرهم من وساوس الشَّياطين، وطهَّر ضمائرهم عن نزغات الزَّائغين، وعمَّر أفئدتهم بأنوار اليقين حتى اهتدوا بها إلى أسرار ما أنزله على لسان نبيِّه وصفيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلَّم سيِّد المرسلين، <واطَّلعوا على طريق التَّلفيق بين مقتضيات الشَّرائع وموجبات العقول؛ وتحقَّقوا أن لا معاندة بين الشَّرع المنقول والحقِّ المعقول>. وعرفوا أنَّ من ظنَّ من الحشويَّة وجوب الجمود على التَّقليد واتِّباع الظَّواهر ما أُتوا به إلَّا من ضعف العقول وقلَّة البصائر، <وأنَّ من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرُّف العقل (حتى صادموا به قواطع الشرع) ما أتوا به إلا من خبث الضمائر>”.
(5) قال رحمه الله: “المسألة الثالثة الترجيح لا يجرى في الأدلة اليقينية لوجهين الأول أن شرط الدليل اليقيني أن يكون مركبا من مقدمات ضرورية أو لازما عنها لزوما ضروريا إما بواسطة واحدة أو بوسائط شأن كل واحد منها ذلك وهذا لا يتأتى إلا عند اجتماع علوم أربعةأحدها العلم الضرورى بحقيقة المقدمات إما ابتداءا أو استنادا وثانيها العلم الضرورى بصحة تركيبها وثالثها العلم الضرورى بلزوم النتيجة عنها ورابعها العلم الضروري بأن ما يلزم عن الضرورى لزوما ضروريا فهو ضرورى فهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا وإلا لزم القدح في الضروريات وهو سفسطة وإذا استحال ثبوتها امتنع التعارض…”.
وقال كذلك: “النوع الثاني القول في التَّراجيح العائدة إلى ما يدلُّ على أنَّ ذات العلَّة موجودة: اعلم أنَّ العلم بوجود تلك الذوات إما أن يكون بديهيّاً أو حسِّيّاً أو استدلاليّاً والاستدلال إما أن يفيد العلم أو الظن وعلى التقديرين فذلك الدليل إما أن يكون عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا منهما فلنتكلم في هذه الأقسام فنقول أما إذا كان الطريق مفيدا لليقين سواء كان بديهيا أو حسيا أو استدلاليا يقينيا وسواء كان عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا منهما وسواء كثرت المقدمات أو قلت فإنه لا يقبل الترجيح”.
وذكر تقديم القطعيِّ على الظَّنِّي في مواضع عدَّة، مثل: “والظنى إذا عارض اليقينى كان الظنى باطلا”.
(6) قد يخطر في بال أحدهم أنَّ الإمام الفخر قد قال إنَّ الأدلَّة النَّقليَّة تفيد الظَّنَّ، فأيُّ تعارض بين العقل والنَّقل يجب تقديم العقل فيه، ولذلك نسب إليه ابن تيميَّة هذا.
والجواب بأنَّ ابن تيميَّة قد زاد هذه التُّهمة على كذبته المذكورة هنا، فقال: “وقد يضم بعضهم إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين”.
فإذن هو يتَّهم الإمام الفخر بالتَّعارض بين العقل والنَّقل مطلقاً، ويزيد على ذلك بأنَّ بعضهم قد زاد القول بظنِّيَّة الأدلَّة النَّقليَّة.
فإذن هذه تهمة أخرى -سيكون عليها كلام بإذن الله تعلى-.