لا يفرح أحدٌ بهذه الروايات المقطوعة عن سياقها التاريخي إلا إذا كان مُدلِّسًا أو غارقًا في الجهل حتى مناخيره.
فعلى فرض صحة هذه الحكاية التي ينقلها الذهبي = فابنُ فُورَك رحمه الله لما دخل بلاد غزنة لم يكن يناظر الحنابلة أو أهل الحديث، بل كان يناظر الكرّامية المُجسِّمة، وهم ممن يقول بإثبات الجهة والفوقية الحسية كما هو مشروحٌ في كتب المقالات، وكان السلطان محمود الغزنوي في أول أمرِه يعظمهم ويكرمهم اتباعا لسيرة والده، ويتلقَّف بعض عباراتهم المجملة، لأجل ما يظهرونه من الزهد والتقشف، ولم يكن مطلعا على حقيقة قولهم في التجسيم.
لكن هل بقي السلطان محمود الغزنوي على مؤازرة هذا المذهب الرديء؟!!!
أقول وبالله التوفيق: إن أهمّ المصادر التاريخية في سيرة السلطان يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكِين الغزنوي رحمه الله ما صنَّفه كاتبه أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي، في أخباره وأيامه وأحوال دولته، وهو التاريخ المسمَّى بـ “اليميني في شرح أخبار السلطان يمين الدولة وأمين الملة أبي القاسم محمود بن سُبُكتِكِين”، وقد عمل العتبي كاتبًا للأمير أبي منصور والد السلطان محمود، ثم لمحمود نفسه، فكان مطّلعا بدقةٍ على أخباره وأحواله.
ولهذا اعتمد كبارُ المؤرخين على تاريخ العتبي هذا، كابن الأثير في الكامل، وأكثروا من النقل منه، وذلك لمصدرية معلوماته وموثوقيتها.

وقد ذكر العتبي سبب تعظيم السلطان محمود للكرَّامية وإكرامه لهم، وذلك أن والده كان معظما جدا لأبي بكر محمد بن إسحاق بن محمشاذ النيسابوري الكرّامي الزاهد (ت 410هـ).
قال: (وكان الأمير ناصر الدين أبو منصور سبكتكين – يعني والد محمود – يرى في عصابته في التزهد والتعفف والترهب والتقشف ما قلّ وجود مثله في كثير من فقهاء الدين وأعيان المتعبدين، فحَلا ذلك بقلبه كما حَلا في عينه.. واستمر السلطان – يعني ولده محمود – على وتيرته في ملاحظتهم بعين الاحترام وإيثار طوائف الكرّامية بالإكرام).
ثم ذكر كلاما طويلا عن شيخ الحنفية القاضي أبي العلاء صاعد بن محمد ومنزلته في العلم، وأنه حجّ اثنتين وأربعمائة، فشخَّصه الخليفة العباسي القادر بالله رسولا إلى السلطان محمود الغزنوي.
قال العتبي: (..فجرى في مجلسه ذكر الكرّامية وإطلاقهم القول بالتجسيم وتعريض الله تعالى لما لا يليق بذاته، فأنِفَ السلطانُ لهذه الشنعاء من مقالهم، والعوراء من فحوى جدالهم، ودعا أبا بكر بن محمشاد سائلا عنه وباحثا عن صورة الحال منه، فأنكر اعتقاد ما نُسِب إليه، وأظهر البراءة عما أحيل به عليه، فسلم مع الإنكار عن مسّ العتب والإكبار، فأما الباقون فإن الكتب نفذت إلى العمال في تقديم الاستقصاء عليهم، فمن أظهر البراءة عن قوله الشنيع واعتقاد الموجِب للتبديع = تُرِك وشأنه من عقد المجالس للتدريس، وشرف المنابر للتذكير، ومن أصرّ على دعواه ولم يختر لنفسه سواه جعل مغناه عليه حصيرا، وردّ لسانه دون الفضول قصيرا).
ويتضح من هذا النص التاريخي أمور مهمة، منها:
- أن السلطان محمود الغزنوي رحمه الله لم يكن مطلعا على حقيقة المذهب الكرامي التجسيمي، وإنما اغتر بهم لأجل ما يظهرونه من الزهد والصلاح.
- أن السلطان لم يستمرّ على تعظيم أتباع هذا المذهب وتقريبهم، بل أنزل بهم العقوبة والمحنة، واضطروا لإخفاء عقائدهم والتستُّر عليها، ولهذا استمرّ مذهبهم الرديء بتلك البلاد إلى أوائل القرن السابع الهجري، وناظرهم الفخر الرازي وغيره، ثم انقرض بعد ذلك، ولم يبق له ذكرٌ ولا أثر.
- https://www.facebook.com/taftazani.saad.7/posts/pfbid0iKJpERhcT69eBQMEbLmuPfJkJhnkEpA22rnahs8kff64BKNVKciKajr2ET3LVAkxl
========
قال وليد: ماذا لو قيل : أنا ما وصفت الله بالوراء بل هو وصف نفسه فقال: والله من ورائهم محيط؟!
وقلت أيضا : ماذا لو قيل: أنا ما وصفت الله بالنسيان بل هو من وصف نفسه فقال : نسو الله فنسيهم! فيقال إن جميل فؤاد انشقت أزهريته المزيفة !!