حكم الاشتغال بعلم الكلام

عن_السلف (4) نحتكم لعقل من؟

عن_السلف (4) نحتكم لعقل من؟

من الإشكالات التي يثيرها بعض الإخوة السلفيّة على المعرفة العقليّة قولهم:
“إذا كنا سنحتكم للعقل، نحتكم لعقل من؟ عقل أرسطو أم ابن سينا، أم الغزالي، أم الطوسي؟”

وهذا القول في حقيقته مغالطة، وبيانها كالتالي:

تأمل لو كان هناك امتحان في مادة الرياضيات، واختلفت إجابات الطلاب في حلول المسائل.
فهل يُعدّ هذا موجبًا لاختلال علم الرياضيات في ذاته؟
أو أن يأتي أحدهم ويقول نحتكم لعقل من؟ عقل الطالب الأول أم الثاني أم الثالث؟
بالطبع لا، بل السبب يعود إلى أوهام بعض العقول، لا إلى فساد المنهج الرياضي العقلي.
فمن الطلاب من وهمَ في علامة الجمع وظنها ضربًا، فأدى ذلك إلى خطأ في النتيجة، ومنهم من لم يقرأ السؤال بدقة فأغفل قيدًا مهمًا فيه… وهكذا.

لكن هذه الأخطاء لا تعني بطلان المنهج العقلي الرياضي، إذ هو منهج قطعيّ، والأخطاء إنما تقع بسبب غلبة الوهم على العقل.

ومثل ذلك يُقال في المعرفة العقليّة:
فحين يناقش المتكلّمون المجسّمة مثلاً، يبيّنون أن القول بلزوم الجسمية للوجود وهم ناشئ بسبب غلبة الحس فتتصور أن كل موجود إما جسم أو قائم بجسم مع أنه عقلاً لا تلازم بينهما، ومن قال بالتسلسل خَفيَ عليه وجه اجتماع النقيضين في القول به، ومن لم يراع شروط الأقيسة المنطقيّة تُخطئ نتائج أقيسته.

فاختلاف النتائج هنا لا يدل على خلل في المنهج العقلي، وإنما يدل على أوهام في تطبيقه، ويُعالج ذلك بالمناقشة والجدال العلمي الدائر بين علماء المعقول.
فنقاشهم دالٌ على وجود منهج متعالٍ عليهم يحاولون الاحتكام إليه، لا أن معارفهم العقليّة شخصيّة غير مُلزمة لعقل الآخر.

بل ويمكن إيراد هذا الإشكال ذاته على السلفية الإخبارية، فنقول لهم:
هل فهمتم هذه النصوص بالعقل؟ بعقل من؟
وإن قلتم: “بل هذا فهم السلف ولم نُعمل فيه عقولنا”.
فنسألكم: كيف عرفتم أن فهم السلف حجّة؟
أبتعقل النصوص الدالة على خيرية القرون الثلاثة الأولى؟ أم بفهم آخر؟
فإن قلتم بالأول، فقد رجعتم إلى العقل.
وإن قلتم بالثاني، دار الأمر أو تسلسل.

بل لو قيل إن العقل لا يُعوّل عليه في الوصول إلى نتائج يقينية، لكان في ذلك نقض لآيات التفكر والتعقل في القرآن العظيم، ولكان دعوة الكافر للتفكر ضربًا من العبث، إذ لا معنى لأن يُدعى للتعقل إن كان عقله مجرد انفعالات تتفاوت من شخص إلى آخر تبعًا لمعتقده.
والحق أن العقل منهج منضبط يمكننا التحاكم إليه، وليس مجرد أذواق شخصية أو خواطر متباينة.

فمنكر الأدلة العقليّة يلزمه سقوط الشريعة برُمتها، إذ يلزمه حينها العجز عن إثبات بطلان أي مذهب أو دين آخر، ويخرج بذلك من زمرة العقلاء، كما أن إنكاره يُسقط معنى آيات التفكر والتعقل في القرآن الكريم، فتصبح مجرد تحصيل حاصل لا فائدة فيها.

والله أعلم
منقول

السابق
الرد على فيديو عبدالله رشدي.(٢) في مسألة الاستغاثة/ الشيخ عبد الناصر حدارة
التالي
هل كون الأشعريّ على مذهب المعتزلة سابقاً مذمة؟ (منقول)