مقالات عن الجهمية

شبهة تجهيم الامام أحمد للكرابيسي / منقول /


شبهة تجهيم الامام أحمد للكرابيسي

إن سبب العداوة التي حصلت بين الإمام أحمد و الكرابيسي كانت في الأول بسبب كتاب المدلسين الذي ألفه الكرابيسي. حيث أن الإمام أحمد ذمه و حذر منه . ثم تطورت تلك العداوة بعد ذلك بسبب مسألة اللفظ ورمي الإمام أحمد للكرابيسي بالبدعة.
فقد حكى الشيخ أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة أهل السلف و أصحاب الحديث ما نصه: ” وأما ما حكاه محمد بن جرير عن أحمد رحمه الله أن من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، فإنما أراد أن السلف من أهل السنة لم يتكلموا في باب اللفظ ولم يحوجهم الحال إليه، وإنما حدث الكلام في اللفظ من أهل التعمق وذوي الحمق الذين أتوا بالمحدثات، وعتوا عما نهوا عنه من الضلالات وذميم المقالات، وخاضوا فيما لم يخض فيه السلف من علماء الإسلام، فقال الإمام أحمد : هذا القول في نفسه بدعة، ومن حق المتسنن أن يدعه، ولا يتفوه به ولا بمثله من البدع المبتدعة، ويقتصر على ما قاله السلف من الأئمة المتبعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يزيد عليه إلا تكفير من يقول بخلقه” انتهى كلام الصابوني

و مراد أبي عثمان الصابوني بقوله: ” وإنما حدث الكلام في اللفظ من أهل التعمق وذوي الحمق الذين أتوا بالمحدثات، وعتوا عما نهوا عنه من الضلالات وذميم المقالات” جهم و أصحابه و أتباعه المتسترين باللفظ بدليل قوله قبل ذلك: ” و الذي حكاه – أي ابن جرير – عن أحمد –رضي الله عنه و أرضاه- أن اللفظية جهمية فصحيح عنه, و إنما قال ذلك لأن جهما و أصحابه صرحوا بخلق القرآن, و الذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن و خافوا أهل السنة – في ذلك الزمان – من التصريح بخلق القرآن فذكروا هذا اللفظ و أرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق, فلذلك سماهم أحمد – رحمه الله- جهمية” انتهى

ثم إن بعض جهلة المحدثين و خاصة المجسمة منهم صاروا يفترون على الإمام أحمد فزعموا أنه رمى الكرابيسي بالتجهم و بعضهم نقل عنه أنه رماه بالكفر. وكل ذلك لا يصح عن الإمام أحمد لأنه ورد من طرق ضعيفة.
وفي ما يلي الجزء الأول من تفنيد لبعض المقالات المروية عن الإمام أحمد في تجهيم الكرابيسي

تفنيد الرواية الأولى:
قال إسماعيل التيمي الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة 2 / 202 ما نصه: “قال أبو حاتم الرزاي: “من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي, وداود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرّاً أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك” انتهى
و قال أيضا في نفس الكتاب :” وأول من قال باللفظ، وقال: “ألفاظنا بالقرآن مخلوقة”: حسين الكرابيسي. فبدعه أحمد بن حنبل، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار: إسحاق بن راهويه، وأبو مصعب، ومحمد بن سليمان لوين، وأبو عبيدالقاسم بن سلام، ومصعب بن عبدالله الزبيري، وهارون بن موسى الفروي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وداود بن رشيد، والحارث ابن مسكين المصري، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ويعقوب وأحمد ابنا إبراهيم الدورقي، وأبو همام الوليد بن شجاع، وعلي بن خشرم، ومحمد بن قدامة المصيصي، ومحمد بن داود بن صبيح المصيصي، وكان من أهل العلم والأدب، ومحمد بن آدم المصيصي، وسعيد بن رحمة، وعقبة بن مكرم، والعباس بن عبدالعظيم، ومحمد بن أسلم الطوسي، وحميد بن زنجويه النسوي، ومحمد بن سهل بن عسكر البخاري، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبدالله الحمال، وابنه موسى بن هارون، ومحمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، ومحمد ابن أحمد بن حفص أبو عبدالله البخاري فقيه أهل خراسان، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذي، صاحبا أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والحسن بن محمد الزعفراني، وحرب بن إسماعيل السيرجاني، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. ومن أهل أصبهان: أبو مسعود الرازي، ومحمد بن عيسى الطرسوسي، وأحمد بن مهدي، وإسماعيل بن أسيد، ومحمد بن العباس بن خالد، ومحمد بن عباس بن أيوب الأخرم، ومحمد بن يحيى بن منده، جد أبي عبدالله، وأبو أحمد العسال، وأبو علي أحمد بن عثمان الأبهري، وأبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فمذهبهم ومذهب أهل السنة جميعاً أن القرآن كلام الله آية آية، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً في جميع أحواله، حيث قرئ وكتب وسمع”.انتهى
و الأثر الأول نقله أبو القاسم التيمي المتوفى سنة 537 هجري عن أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس الرازيُّ المتوفى سنة 277 هـجري دون ذكر السند.
ثم إن كلام التيمي في الجرح و التعديل لا يُعتد به فهوه يقدح في غيره بأدنى شيء ينكره عليه كما قال ابن رجب الحنبلي في ذيل طبقات الحنابلة عند ترجمة أبي القاسم عبد الرحمن بن مندة ونص عبارته: ” فإن الأنصاري والتيمي وأَمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع”. انتهى

ثم إن أبا القاسم إسماعيل بن محمد التيمي كان حافظا عالما بالتفسير و العربية و الأدب لكنه تغير و ساء حفظه وصار ينسب لكبار أئمة السلف ما لم يقولوه. وقد اتصل في آخر حياته ببعض أهل البدع من الحشوية فتأثر بهم وقال بمقالاتهم . وقد اشتهر اسماعيل بن محمد التيمي بتصريحه بنزول الله بالذات وهو مشهور في مذهبه كما نقل عنه ذلك أبو موسى المديني. وقد جرى له بسبب ذلك فتنة وخصام مع بعض العلماء كما ذكر ذلك ابن رجب في كتابه فتح الباري. و لعل هذه الفتنة كانت سبب شهرته بين المجسمة، فقد قال الذهبي في السير:”إنما اشتهر قبل موته بعشرين عاما” .انتهى

تفنيد الرواية الثانية:
نقل أبو القاسم الطبريُّ اللالكائي في كتابه المسمى شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة, كلاما منسوبا لأبي حاتم الرازي المتوفى سنة 277 هجري يقدح فيه في الكرابيسي. و نص عبارة اللالكائي:”وجدتُ في كتابِ أبي حاتمٍ محمدِ ابن إدريس بن المنذر الحنظليِّ ممَّا سُمِعَ منهُ يقولُ: “مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان ، وترك النظر في موضع بدعهم ، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن إبراهيم ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ، والشافعي ولزوم الكتاب والسنة ، والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل : مالك بن أنس في المدينة ، والأوزاعي بالشام ، والليث بن سعد بمصر ، وسفيان الثوري ، وحماد بن زياد بالعراق من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين ، وترك النظر في كتب الكرابيسي ، ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه وشاجر فيه مثل داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه ، ليس بمخلوق بجهة من الجهات ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرا ينقل عن الملة ، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر . والواقفة واللفظية جهمية ، جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل والاتباع للأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين بعدهم بإحسان . وترك كلام المتكلمين ، وترك مجالستهم وهجرانهم ، وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار”. انتهى
و الرد على هذه الشبهة أن يقال: هذا الكلام وجده اللالكائي(المتوفى سنة 418 هجري) في بعض كتبِ أبي حاتمٍ محمدِ ابن إدريس بن المنذر الحنظليِّ (المتوفى سنة 277 هـجري) ولم يسمعه منه بسند متصل. و العلم يُؤخذ بالسند لا بما يوجد في الكتب لأن احتمال الدس و التحريف فيها وارد جدا.
و حتى قوله ” ممَّا سُمِعَ منهُ يقولُ” ليس فيه حجة لاثبات هذا النص لأنه لم يُصرح بأسماء الذين سمعوا من أبي حاتم تلك المقالة.
و الظاهر أن هذا الكلام فيه عبارات مدسوسة على أبي حاتم الرازي إذ المنقول عنه بالسند هو ما ذكره اللالكائي نفسه في شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة جزء 1 ص 318/ 320 في معرض كلامه عن اعْتِقَـادُ أَبِي زُرْعَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ , وَأَبِي حَاتِمٍ فقد قال ما نصه: “أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْمُقْرِئُ, قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبَشٍ الْمُقْرِئُ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ , قَالَ : سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ , وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ , وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَا : أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَشَامًا وَيَمَنًا فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ , يَزِيدُ وَيَنْقُصُ , وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ , وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ…….” انتهى
وليس في هذه العقيدة المروية عن أبي حاتم ذم للكرابيسي أو التحذير من كتبه و غاية ما في الأمر أنه قال:” وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ . وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ كَافِرٌ . وَمَنْ شَكَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَقَفَ شَاكًّا فِيهِ يَقُولُ : لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ. وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ جَاهِلًا عُلِّمَ وَبُدِّعَ وَلَمْ يُكَفَّرْ . وَمَنْ قَالَ : لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ أَوِ الْقُرْآنُ بِلَفْظِي مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ “. انتهى

فقوله: ” وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ” أي من زعم أن القرآن الذي هو كلام الله و صفته مخلوق فهو كافر. وقوله كذلك: ” وَمَنْ شَكَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَقَفَ شَاكًّا فِيهِ يَقُولُ : لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ” معناه من شك في صفة الكلام لله تعالى هل هي مخلوقة أو لا فهو جهمي كافر أيضا. أما قوله ” وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ جَاهِلًا عُلِّمَ وَبُدِّعَ وَلَمْ يُكَفَّرْ” فمعناه أن الذي توقف في القول بأن القرآن مخلوق أو غير مخلوق لجهله بجواز القول أنه “غير مخلوق” و خوفا أن يكون اطلاق ذلك من البدع المنهي عنها مع جزمه بأن صفات الله أزلية و ليست حادثة. أما الذي يتوقف في صفة من صفات الله هل هي مخلوقة أم لا فيكفر مهما بلغ به الجهل. و كذلك قوله “. وَمَنْ قَالَ : لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ أَوِ الْقُرْآنُ بِلَفْظِي مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ ” فهو محمول أيضا على الجهمية النافين للصفات المتسترين باللفظ.

تفنيد الرواية الثالثة
قال ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة الكرابيسي: “وذكر ابن أبي حاتم من طريق محمد بن موسى الخولاني قال: ناظرت الكرابيسي فقال: أقول القرآن بلفظي غير مخلوق ولفظي بالقرآن مخلوق فذكرت ذلك لأحمد فقال هو جهمي“. انتهى
والجواب على هذه الشبهة أن يقال: هذا الكلام أورده ابن حجر من غير سند و لم يذكر أين قال ابن أبي حاتم ذلك الكلام. فبعض كتب ابن أبي حاتم التي ألفها في العقيدة مفقودة ككتاب “الرد على الجهمية” و كتاب السنة. ثم إنه ينبغي توثيق “محمد بن موسى الخولاني” فيما يرويه عن الكرابيسي و أنه ليس من الضعفاء أو المتروكين أو المجاهيل. وينبغي أيضا تصحيح نقله عن الإمام أحمد في مثل هذه المسألة الدقيقة فقد قال ابن تيمية في في درء التعارض: ” وصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد وهم كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال : “إن كل واحدة من هاتين الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه”.انتهى
ثم إن عبد الرحمن بن أبي حاتم قد تكلم فيه بعض العلماء كالشيخ محمد زاهد الكوثري حيث قال في التأنيب ما نصه: “لكن ابن أبي حاتم المسكين الذي يقال أنه كتب كاتب الشمال شيئاً عليه أفسده حرب بن اسماعيل السيرجاني في المعتقل حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي الحق ويقول: أن القول بأن نعطي القرآن مخلوق كفر ينقل قائله من الملة وقد ذكر في كتاب”الرد على الجهمية”ما يدل على ما أصيب به عقله”..
وقال: “ولو كشفنا الستار عما ينطوي ابن أبي حاتم عليه من الاعتقاد الردئ الحامل له على عداد أهل الحق لطال بنا الكلام”. انتهى
و على تقدير ثبوت هذا الكلام عن ابن أبي حاتم فهو لم يخص الكرابيسي فقط بالذم بسبب مسألة اللفظ فقد قال في الجرح والتعديل: “قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق” انتهى
وقد رد التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى 2/ 12/ 13 – تحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي- على مثل هذه الطعون فقال ما نصه: “وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم، وهم المخطئون، والمجروح مصيب. قلت، ومن أمثلة ما قدمنا، قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ. فيالله والمسلمين، أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك، وهو حامل لواء الصناعة، ومقدم أهل السنة والجماعة. ثم يا ألله والمسلمين، أتجعل ممادحه مذام؟ فإن الحق في مسالة اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى”. انتهى
و الغريب أن أبا زرعة وأبا حاتم، قد وثقا مسلما، وأثنيا عليه، مع أنه يقول بمقالة شيخه البخاري في مسألة اللفظ.
قال ابن تيمية في درء التعارض: “”وصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة وأهواء للنفوس حصل بسبب ذلك نوع من الفرقة والفتنة وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج نحوه وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما”. انتهى
وأما ما نقله الحافظ ابن حجر بعد ذلك: “وذكر – ابن أبي حاتم – من عدة طرق عن أحمد أنه رمى الكرابيسي برأي جهم وكذا عن أحمد بن صالح المصري وأحمد ويعقوب الدورقيين، وَأبي ثور، وَأبي همام الوليد بن شجاع والزعفراني وأحمد بن شيبان في آخرين”. انتهى

فليس فيه حجة للطاعنين في الكرابيسي لأنه لا يمكن الجزم بصحة أسانيد تلك الطرق المروية عن أولئك الأئمة . قال الألباني في تعليقه على “التنكيل”: ” فلا حجة، لثبوت إخراجهما – أي الطبري و ابن أبي حاتم – لكثير من الروايات بالأسانيد الضعيفة، و قد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك من رواية ابن أبي حاتم في بعض تأليفي، منها قصة نظر داود – عليه السلام- إلى المرأة و افتتانه بها و قصة هاروت وماروت”. انتهى
ومجرد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن أبي حاتم أن الإمام أحمد رمى الكرابيسي برأي جهم فليس فيه موافقة له في ما قاله لأنه قال قبل ذلك: ” وكان يقول القرآن كلام الله غير مخلوق ولفظي به مخلوق فان عنى التلفظ فهذا جيد فان أفعالنا مخلوقة وان قصد الملفوظ بأنه مخلوق فهذا الذي أنكره أحمد والسلف وعدوه تجهما ” ونقل عن المستنصر الأموي أنه قال: ” كان الكرابيسي ثقة حافظا, لكن أصحاب أحمد بن حنبل هجروه لأنه قال إن تلاوة التالي للقرآن مخلوقة فاستريب بذلك عند جهلة أصحاب الحديث” انتهى

تفنيد الرواية الرابعة
نقل ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى ما نصه: “حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء ، قال : نا أبو جعفر محمد بن داود ، قال : نا أبو بكر يعني المروذي ، قال : قلت لأبي عبد الله ونحن بالعسكر : جاءني كتاب من بغداد أن رجلا قد تابع الحسين الكرابيسي على القول ، فقال لي : هذا قد تجهم وأظهر الجهمية ، ينبغي أن نحذر عنه ، وعن كل من اتبعه ، قال : « مات بشر المريسي وخلف حسينا الكرابيسي وذكر حسين الكرابيسي ، فقال : ما أعرفه بشيء من الحديث . وقال : صاحب كلام ، لا يفلح من تعاطى الكلام ، لم يخل من أن يتجهم . وقال : ما كان الله ليدعه حتى يبين أمره ، وهو يقصد إلى سليمان التيمي يتكلم فيه ، وقال : ليس قوم عندي خيرا من أهل الحديث ، لا يعرفون الكلام . وقال : صاحب كلام لا يفلح”. انتهى
وذكره ابن أبي يعلى في الطبقات.
أما ابن أبي يعلى المتوفى سنة 526 هجري فقد رواه بلا سند عن المروزي المتوفى سنة 294 هجري, و الظاهر أنه مجرد ناقل عن ابن بطة.
وأما ما نقله العكبري فهو المتهم هنا بالدس على الإمام أحمد. فقد أثبت عنه ابن حجر و الخطيب البغدادي و أبو القاسم الأزهري و غيرهم أنه وضاع، وأنه كان يحك أسماء الأئمة من كتب الحديث ويضع اسمه مكان الحاكي.

  • قال ابن حجر في لسان الميزان: ” وقال الخطيب: حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة بمعجم البغوي في نسخة كانت لغيره وقد حك اسم صاحبها وكتب عليها اسمه. قال ابن عساكر: وقد أراني شيخنا أبو القاسم السمرقندي بعض نسخة ابن بطة بمعجم البغوي فوجدت سماعه فيه مصلحا بعد الحك كما حكاه الخطيب، عَنِ ابن خيرون. وقال أبو ذر الهروي: أجهدت على أن يخرج لي شيئا من الأصول فلم يفعل فزهدت فيه”. انتهى كلام ابن حجر
    وكذلك اتهمه الخطيب البغدادي بالوضع فقال في كتابه تاريخ بغداد : “وقال لي الحسن بن شهاب: سألت أبا عبد الله بن بطة أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد فقال: لا. قال أبو القاسم: وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد قد حككها وكتب بخطه سماعه فيها فذكرت ذلك لابن شهاب فعجب منه.” انتهى
    و قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: “وكذا غلط ابن بطة فى روايات عن حفص بن عمر الأردبيلي, أنبأنا رجاء بن مرجى. فأنكر الدارقطني هذا وقال: حفص يصغر عن هذا فكتبوا إلى أردبيل يسألون ابنا لحفص فعاد جوابهم بأن أباه لم ير رجاء قط . فتتبع ابن بطة النسخ وجعل ذلك عن ابن الراجيان عن الفتح بن شخرف عن رجاء”. انتهى
    وهذه الواقعة ثابتة, ذكرها ابن حجر في اللسان 4 / 114 ونقل أن الدارقطني قال لنصر الاندلسي: “إيش كتبت عن ابن بطة ، قال : كتاب السنن لرجاء بن مرجا . حدثني به عن حفص بن عمر الاردبيلي عن رجاء بن مرجا ، فقال الدارقطني : هذا محال دخل رجاء بن مرجا بغداد سنة أربعين ودخل حفص بن عمر سنة سبعين فكيف سمع منه ؟“ انتهى
    ومن جملة الأدلة و البراهين الواضحة أن ابن بطة دس هذا الكلام على الإمام أحمد أنه نقل عنه بنفس السند كلاما آخر في كتاب الإبانة و فيه قوله: “وحدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن داود ، قال : حدثنا أبو بكر المروذي ، قال : قلت لأبي عبد الله : إن رجلا قد تكلم في ذلك الجانب وقد قعد الناس يخوضون فيه ، وقد ذهبوا إلى عبد الوهاب فسألوه ، فقال : اذهبوا إلى أبي عبد الله ، وقد ذهبوا إلى غير واحد من المشيخة ، فلم يدروا ما يقولون ، وقد جاءوا بكلامه على أن يعرضوه عليك وهذه الرقعة فَقَالَ : هَاتِهَا ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ ، فَكَانَ فِيهَا :… وَهَكَذَا إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ : إِنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ …

فقرأها أبو عبد الله حتى انتهى إلى قوله : وإنما قلت : إنه مخلوق على الحركة والفعل ، فرمى أبو عبد الله بالرقعة من يده ، وغضب شديدا ، ثم قال : “هذا أهل أن يحذر عنه ولا يكلم ، هذا كلام جهم بعينه ، وإنما قلت مخلوق على الحركة ، هذا مثل قول الكرابيسي ، إنما أراد : الحركات مخلوقة ، هذا قول جهم”. انتهى
فكيف يقول الإمام أحمد: ” إنما أراد : الحركات مخلوقة ، هذا قول جهم”؟ هذا من قبيل الكذب عليه إذ لا ينكر عاقل كون الحركات مخلوقة. قال الإمام البخاري: “حركات العباد وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة”. انتهى
كتبه
التاريخ والسير والعقائد

السابق
الجواب عما روي عن أبي حنيفة قال: ومن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر / منقول /
التالي
نقض بعض شبهات ابن تيمية حول الفخر الرازي في مسألة دوام الفاعلية (منقول)