رد #فرية لبعض الغطغط من الوهابية والتيمية في نسبتهم عقيدة الجلوس اليهودية المعروفة عند شيخهم الأكبر ابن تيمية، للإمام الهمام القاضي الحافظ ابن العربي المالكي الأشعري (ت:543ه)؟!
رأيت بعض التيمية يحتجون لتبرير عقيدة الجلوس اليهودية عند شيخهم ابن تيمية بما جاء في كتاب أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي، ونصه: ((فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ما عصى قط ربه، لا في حال الجاهلية ولا بعدها، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا، أحله به المحل الجليل الرفيع، ليصلح أن #يقعد معه على_كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق))(1) [الوثيقة رقم 1]
فأحببت أن أعلق في رد هذه الفرية بلا مرية، بما يلي:
أولا: ليس من الغريب على المجسمة الاعتماد على بعض المتشابه من الأقوال وإهمال المحكم منها، فمذهبهم الشاذ يحتم عليهم هذه الطريقة العرجاء والوجهة العوجاء لتكثير السواد؟! والغريق يستنجد بالقشة؟!، ولا غرو في هذا فهذه طريقة شيخهم الأكبر ابن تيمية الحراني فهو يركب شططا في تحوير النصوص لتوافق مشربه المعروف؟! ولا يخفى على عاقل أن رد المتشابه إلى المحكم منهج قرآني وأمر رباني وقد ذم القرآن قوما فقال: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾[آل عمران:50].
فالمنهجية العلمية تقضي بفهم متشابه كلام الرجل في ظل المحكم منه وليس العكس، هكذا التحقيق ودونه خرط القتاد؟!.
ومن الانتكاس في المنهج والقلب للحقائق والإفلاس بمكان مجابهة النصوص الصريحة والغزيرة للرجل في تنزيه الله عن الجلوس وسمات الجسمية، بموضع واحد من كلامه لا يحتمل وفق القراءة الصحيحة من السياق ما يصبوا إليه من يقتاتون على المتشابه من الأقوال البعيدة عن الحقيقة بعد الشمس عن اللمس؟!
ثانيا: مما يقطع الشك باليقين ويؤكد أن الإمام العلامة ابن العربي لا يقصد بوجه من الوجوه المعنى المحظور، ما قرره هو نفسه في العواصم حيث يقول: ((الأرض كلها لله، والمساجد لله، والكعبة بيت الله، والجنة دار الله، وإذا أراد الله أن يشرف بيتا أو دارا، أو آدم أو عيسى قال: إنه منه، وله، وبيده كان، وإلى جنبه يقعده، وعلى عرشه ينزله_معه، وكل ملك له، ويده ورجله وقدمه، وذراعه وساعده، ولا سيما إذا تصرف في طاعته))(2) [الوثيقة رقم 2] وهذا النص يقطع لسان كل متقول ومتعالم يتنكر للشمس في رابعة النهار.
ثم إن سياق كلام الإمام ابن العربي واضح في أن الرجل لا يقصد المعنى التجسيمي وكلامه من باب التوسع في اللغة، المعروف في إضفاء رونق من الجمال في تصوير المراد ليكون الكلام أوكد من ناحية إيقاع المعنى في النفس.
فتأمل قوله: ((ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق)) فالرجل يحاول التمثيل للموقف يوم القيامة يوم يفصل الباري في أمر عباده وله تعالى الحكم النافذ ولا معقب لحكمه يومئذ، فالكرسي هنا هو كرسي الحكم والفصل بين العباد كما يقال للقاضي في محكمة الدنيا بأنه على كرسي القضاء وإن لم يكن جالسا عليه بالفعل فالمعنى المقصود: أن الحكم حكمه في الحكومة ولا كلام بعد حكمه، والمصطفى هنا يقعد على الكرسي بمعنى أن ربه يكرمه فلا يرد له شفاعة ولا طلب فكأن الحكم إليه وبين يديه، وهذا من باب تشريفه صلى الله عليه وآله وسلم: ((للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق)).
ولا مانع في إجلاسه صلى الله عليه وآله وسلم فعلا على العرش أو على الكرسي، ولكن الداهية الدهياء والمصيبة الصماء في نسبة الجلوس لله على سبيل الحقيقة اللغوية المقابلة للمجاز؟! والذي يقتضي (المماسة!) و(الملاصقة!) للعرش كما هو مذهب ابن تيمية وسلفه المجسمة؟!
ثالثا: العلامة ابن العربي مصرح في كتبه بأن عقيدة الجلوس اليهودية هي عقيدة المشبهة الذين كادوا الإسلام؟!
قال الإمام ابن العربي في وصف عقائد المشبهة: ((ولما سمعوا قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾[طه:5] قالوا: إنه جالس عليه ، متصل به، وأنه أكبر بأربع أصابع، إذ لا يصح أن يكون أصغر منه، لأنه العظيم، ولا يكون مثله، لأنه ﴿ليس كمثله شيء﴾[الشورى:11]، فهو أكبر من العرش بأربع أصابع. ولقد أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام، أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نيسابور فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾[طه:5]. قال لي أخصهم: فرأيت -يعني الحنابلة- يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعد قاعد بأرفع صوت وأبعده مدى، وثار إليهم أهل_السنة من أصحاب القشيري…))(3) والإمام يقصد بالحنابلة ههنا الغلاة كما هو معروف.
والله الموفق
(1) أحكام القرآن للقاضي الإمام ابن العربي المالكي الأشعري الإشبيلي (3/576)، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا، من منشورات دار الكتب العلمية: بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة: 1424ه-2003م
(2) النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي الأشعري الإشبيلي (ص:225)، تحقيق: الدكتور عمار طالبي، مكتبة دار التراث-القاهرة
(3) النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي الأشعري الإشبيلي (ص:208-209)، تحقيق: الدكتور عمار طالبي، مكتبة دار التراث-القاهرة
كتبه
ياسين بن ربيع