مشكلة خلق القرآن

حقيقة ثناء القرطبي على السجزي وكتابه الإبانة وموقف إمام الحرمين واللبلي من الأخير /منقول/

بحكم اهتمامي بتاريخ الأفكار والمذاهب وهو من صلب تخصُّصي = يسرُّني أن يُنْشَر أيّ نصّ عقائدي مخطوط، بصرف النظر عن مذهب صاحبه، ولو كان لابن الراوندي الملحد، لكن شريطة أن يكون نشرا علميا أمينا بعيدا عن التدليس.

لم أطلع على هذه النشرة الجديدة من كتاب “الإبانة” للسجزي حتى أحكم عليها حكما صحيحا، لكن استوقفني نقلُهم لكلام الإمام القرطبي على غلاف الكتاب مُوهِمين القراءَ أنه يثني على نصوص كتاب الإبانة !!!! .
ولا ريب أن القرطبي رحمه الله أشعريّ العقيدة لا ينتطح في هذا عنزان، ولا يقول بمذهب السجزي في قدم الحرف والصوت، بل يخالفه وينكره كما في كتابه “الأسنى”. وفي تفسيره (الجامع لأحكام القرآن): 1/55 = صرَّح القرطبي بأن هذا مذهب الحشوية ونقل كلام المتكلمين الأشعرية في الرد عليه مُعبِّرا عنهم بـ “علماؤنا”.

وأما الكلام الذي نقلوه هنا على غلاف هذه الطبعة = فالقرطبي رحمه الله قاله في كتابه “التذكار في أفضل الأذكار”، والنصوص التي نقلها من الإبانة وأثنى عليها = هي بعض الأحاديث والآثار التي خرَّجَها السجزي في كتابه هذا، وفيها أن “القرآن كلام الله غير مخلوق”.
وهذا ما عناه القرطبي بقوله: (وأهل السنة مطبقون على القول بها).
ومن المعلوم أن هذا قدرٌ عام مشترَك يتفق فيه الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والمحدّثون وجميع أهل السنة، وإنما الخلاف بينهم في التفاصيل.
على أن كلام القرطبي واحتفاءه بتلك الآثار ودعواه أنها تساوي رحلة = فيه نظرٌ، إذ لا يصحُّ في هذا الباب حديثٌ مرفوعٌ ولا موقوفٌ ولا مقطوع، وغالب تلك الأحاديث موضوعة أو منكرة، ولاسيما المرفوع منها؛ ومسألة القرآن حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين، ولم يتكلموا فيها، ولا يصحُّ فيها حديثٌ أصلا.
والقرطبي رحمه الله فقيه ومُفسِّر وواعظ، لكنه قليل البضاعة في الحديث.
وأبو نصر الوائلي السجزي المذكور إمام كبير حافظ، له سعة في الرواية والمعرفة بالحديث، لكنه كان شديد الانحراف عن الأشعرية، مُصَرِّحا بتكفيرهم، مفتريا عليهم، ومما نسبه إلى الأشعري كذبًا أن النبوة عرَضٌ من الأعراض، والعرَض لا يبقى زمانين؛ وإذا مات النبيُّ زالت نبوَّته وانقطعت دعوته !!.
وهي فرية قديمة ردَّدها كثيرٌ من خصوم الأشعرية كالأهوازي وابن حزم وغيرهم.

ولما وقف إمامُ الحرمين أبو المعالي الجويني على مختصر الإبانة هذا وهو بمكة = تبرَّمَ منه جدا، وألَّفَ كتابه “النقض على السجزي” وخاطبه فيه بعباراتٍ شديدةٍ قاسية حتى صرّح بلعنته، ومما قاله الإمام الجويني رحمه الله عن كتاب السجزي:
(وأبدى من غمرات جهله فصولا، وسوَّى على قصبة سخافة عقله نصولا، ومخايلُ الحمق في تضاعيفها مصقولة، وبعثاتُ الحقائق دونها معقولة).
وقال: (وقد كسا هذا التيسُ الأئمةَ صفاتِه.. وهذا الجاهل الغِرّ، المُتمادي في الجهل المُصرّ، يتطلع إلى الرتب الرفيعة، بالدأب في المطاعن في الأئمة والوقيعة… وقد ذكر هذا اللعين الطريد المَهين الشريد فصولا وزعم أن الأشعرية يكفرون بها، فعليه لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى، وما رأيتُ جاهلا أجسَر على التكفير وأسرع إلى التحكُّم على الأئمة من هذا الأخرق !!).

وكذلك قال العلامة أبو جعفر اللّبْلي الفهري الأندلسي (ت 691 هـ) في فهرسته ص ٨٠:
(وكذلك اللعين المعروف بالسجزي فإنه تصدّى أيضا للوقوع في أعيان الأئمة، وسُرُج الأمة بتأليفٍ تالفٍ، وهو على قلة مقداره، وكثرة عواره، ينسب أئمةَ الحقائق وأحبار الأمة وبحور العلم إلى التلبيس والمراوغة والتدليس، وهذا الرذل الخسيس أحقر من أن يكترث به ذو لبٍّ، ولا يُغيِّر البحرَ الخضمّ وَلْغَةُ كلب) انتهى كلامه.

فكيف بعد هذا كله يسوغ أن يظنّ ظانٌّ أو يتوهَّم متوهِّمٌ أن الإمام القرطبي الأشعري قد يثني على هذا الكتاب أو يقرُّه على كل ما فيه، وهو مشحون بالحطّ على أئمة الأشعرية ورميهم بالموبقات ؟!!!!.

https://www.facebook.com/share/1XFAic8gsD

السابق
تناقض الفوزان في تفسيره الاستواء بالجلوس تارة وإبطاله تارة / من الكواشف الجلية في بيان تناقضات الوهابية (منقول)
التالي
تلخيص المسائل الفقهية الخلافية في أحاديث الأحكام من خلال كتاب نيل الأوطار للشوكاني /كتاب الطهارة/ (عبر غروك)

اترك تعليقاً