«الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري – معتزلي» (ص495):
«الوجه
أصله التقدم، يقال: توجهت في الشيء. إذا تقدمت فيه ووجه كل شيء أوله، ومنه وجه النهار، أي: لوله ثم كثر حتى قيل: وجه الشيء لنفسه، تقول: هذا وجه الرأي أي: هو الرأي.
والوجه في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: مجيئه بمعنى الشيء نفسه، قال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي: إلا هو، ولو كان له وجه غيره على ما يوجبه ظاهر الآية وعلى ما يقوله المشبهة لكان ينبغي أن يفنى جميعه ويبقى وجهه وليس هذا قولا لأحد إلا لبيان بن سمعان، وليس هو مما يعتد به لبيان بطلانه ودلالة العقل والإجماع على خلافه، ومثله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أي: لله.
الثاني: مجيئه بمعنى الأول، وهو قوله: (وَجْهَ النَّهَارِ) أي: أوله، وإنما قيل ذلك؛ لأن أول ما يلقاه من الشيء وجهه.
الثالث: بمعنى الدين، قال: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: أخلص دينه، وقوله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) والإسلام الإخلاص على ما تقدم ذكره، ويجوز أن يكون: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: استسلم كما تقول: أعطى يده إذا استسلم، وقيل: الوجه العمل، و: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: أخلص عمله، وقالوا: الوجه في قوله: (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) وهو الثواب أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه إلا طلبا لثواب اللَّه، والآية نزلت في أبي بكر – رضي الله عنه – حين أعتق بلالا.
الرابع: قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أى: الوجه الذي يريده اللَّه، وجاء في التفسير أنه أراد فَثَمَّ القبلة وخص المشرق والمغرب في هذه الآيه؛ لأنهما أشهر الجهات، وأراد ما بين المشرق والمغرب وذلك الدنيا كلها، والمراد أن الجهات وما فيها للَّه فأينما تستقبلوا من الوجوه المأمور باستقبالها فَثَمَّ الوجه الذي تتقربون به إلى اللَّه، وقيل: أراد فأينما وليتم وجوهكم وكونوا قاصدين للوجه الذي أمركم الله تعالى به فإذا عرفتم الكعبة فلتكن العرض، وإن لم تفعلوا به في ظلمة أو غيرها فالتحري لإصابتها، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) على عباده غير مضيق عليهم، وهذا مذهب الكوفيين، وقال الشافعي: من اجتهد فصلى إلى جهة ثم عرف أن القبلة غيرها استأنف، وفي هذه الآية كلام كثير وليس ذا موضع ذكره»
==
الكتاب: الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري (معتزلي)
المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
حققه وعلق عليه: محمد عثمان
الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة
الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ – ٢٠٠٧ م
=====
«فتح الباري لابن حجر» (13/ 388):«(قوله باب قول الله عز وجل كل شيء هالك الا وجهه)
ذكر فيه حديث جابر في نزول قوله تعالى [7406] قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا الآية وقد تقدم شرحه في تفسير سورة الأنعام وقوله في آخره هذا أيسر في رواية بن السكن هذه وسقك لفظ الإشارة من رواية الأصيلي والمراد منه قوله فيه أعوذ بوجهكقال بن بطال في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجها وهو من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء الذين نشاهدهم وقال غيره دلت الآية على أن المراد بالترجمة الذات المقدسة ولو كانت صفة من صفات الفعل لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات وهو محال وقال الراغب أصل الوجه الجارحة المعروفة ولما كان الوجه أول ما يستقبل وهو أشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي مبدئه وفي إشراقه فقيل وجه النهار وقيل وجه كذا أي ظاهره وربما أطلق الوجه على الذات كقولهم كرم الله وجهه وكذا قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقوله كل شيء هالك الا وجهه وقيل إن لفظ الوجه صلة والمعنى كل شيء هالك إلا هو وكذا ويبقى وجه ربك وقيل المراد بالوجه القصد أي يبقى ما أريد به وجهه قلت وهذا الأخير نقل عن سفيان وغيره وقد تقدم ما ورد فيه في أول تفسير سورة القصص وقال الكرماني قيل المراد بالوجه في الآية والحديث الذات أو الوجود أو لفظه زائد أو الوجه الذي لا كالوجوه لاستحالة حمله على العضو المعروففتعين التأويل أوالتفويض وقال البيهقي تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات كقوله إلا رداء الكبرياء على وجهه وهو ما في صحيح البخاري عن أبي موسى وفي بعضها بمعنى من أجل كقوله إنما نطعمكم لوجه الله وفي بعضها بمعنى الرضا كقوله يريدون وجهه الا ابتغاء وجه ربه الأعلى وليس المراد الجارحة جزما والله أعلم »