هل الأشاعرة يخفون مذهبهم في القرآن الكريم؟
(مقال بالغ الأهمية)
الكلام في القرآن الكريم فرع عن الكلام في صفة كلام الله، وهذا يستوجب أن أبين اختلاف أهم الفرق الإسلامية في صفة الكلام، ليتسنى لنا الحديث عن القرآن الكريم.
أقول: قد اختلف الناس في صفة كلام الله إلى مذاهب أشهرها ثلاثة:
١- مذهب المعتزلة: وهما نفاة الصفات، الذين يثبتون الصفة عين الموصوف، فيقولون الله عالم بذاته لا بعلم قادر بذاته لا بقدرة..وهكذا…وأما في الكلام فهم لم يثبتوا أن الله متكلم بذاته، وإنما كلام الله عندهم حروف وأصوات يخلقها الله في غيره كما في خلقه كلامه في التوراة والإنجيل والقرآن، لأن حقيقة الكلام عندهم حروف وأصوات حادثة، وهم يمنعون قيام الحوادث بالذات، فنفوا لذلك صفة الكلام.
٢- مذهب ابن تيمية: ابن تيمية وافق المعتزلة بأن حقيقة الكلام حروف وأصوات، ولكنه لا يمنع قيام الحوادث بالذات الإلهية بل يوجبه، فأثبت كلام الله حروفا وأصواتا حادثة تصدر من الله من لا بداية إلى ما لا نهاية، فكلام الله عنده حادث الأفراد قديم النوع.
٣- مذهب الأشاعرة: الأشاعرة وافقوا السلف بأن كلام الله صفة قديمة قائمة بالذات، وأما الألفاظ في الكتب السماوية فهي تدل على الكلام القديم وليس هي الكلام القديم، ذلك أن حقيقة الكلام عندهم ليست حروفا وأصواتا، وإنما حقيقة الكلام هو الذي يحاك في الصدر وهو الكلام النفسي، وأما الألفاظ فهي تعبر عنه، وتُسمى الألفاظ كلاما مجازا لأنها تدل على الكلام الحقيقي من باب تسمية الدال باسم المدلول.
ولهم في كون حقيقة الكلام ليس حرفا وصوتا أدلة كثيرة، من أقواها:
١- قوله تعالى عن اليهود: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}، فسمى الكلام النفسي قولا.
٢-قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} فسمى الإسرار في نفس يوسف عليه السلام قولا.
٣-قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ } والوعد والأمر كلام، ووعد وأمر الشيطان وسوسة وليس حرفا وصوتا.
فثبت بذلك أن حقيقة الكلام ليس بحرف وصوت، فأثبتوا لله صفة الكلام قديمة ليست حروفا وأصواتا وسموها صفة الكلام النفسي، اشتراكا بالكلام النفسي البشري من حيث إنه ليس حرفا وصوتا لا من حيث حقيقة الكلام النفسي البشري، فهو اشتراك في سلب الحرف والصوت، والسلب عدم فلا يقتضي تشبيه الخالق بالمخلوق.
فإن علمت اختلاف الفرق في صفة كلام الله ستعلم بسهولة اختلافهم في القرآن الكريم:
- فعند المعتزلة القرآن الكريم هو حروف وأصوات خلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ، ونقله جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم.
- وعند ابن تيمية القرآن الكريم هو حروف وأصوات أحدثها الله في ذاته فسمعها جبريل عليه السلام فنقلها للنبي صلى الله عليه وسلم.
- وعند الأشاعرة القرآن الكريم هو بعض مدلولات صفة كلام الله القديمة، فهو قديم بذلك، وخلق الله ألفاظا في غيره ليعبر عن مدلولات كلامه هذه القديمة، وهذه الألفاظ المخلوقة المعبرة عن كلام الله القديم تسمى كلام الله من حيث ليس لأحد كسب فيه، وهي التي سمعها جبريل عليه السلام ونقلها للنبي صلى الله عليه وسلم. فيكون بذلك القرآن الكريم قديم وألفاظه المعبرة عنه حادثة.
إن علمت ذلك سترى أن المعتزلة وابن تيمية لم يثبتوا القرآن قديما، فهو عند المعتزلة حادث في غير الله، وهو عند ابن تيمية حادث في ذات الله، وعند الأشاعرة قديم بحقيقته حادث بألفاظه التي تعبر عنه.
وقد منع الأشاعرة أن يقال بحدوث ألفاظ القرآن الكريم أمام العوام حتى لا يتوهموا حدوث القرآن فتسقط هيبته عندهم، حيث إن العوام قد لا يفرقون بين حقيقة القرآن ككلام قديم وبين ألفاظه التي تعبر عنه، امتثالا لقول الإمام علي رضي الله عنه: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ ورَسولُهُ). رواه البخاري.
وهذا الخوف على العوام استغله الوهابية للطعن بالأشاعرة بأنهم باطنية يخفون عقائدهم عن الناس!
ما درى هؤلاء الخبثاء أن الباطنية لا ينشرون كتبهم بين الناس، وإنما هو سر مكتوم عندهم، وأما الأشاعرة فكتبهم ينشرونها للعالمين يتحدون بها كل من أضله الله، ولولا نشرهم لكتبهم وتفاخرهم بها ما وصلك يا سافل خوفهم على العوام من سوء فهمهم لحقيقة القرآن الكريم وحقيقة ألفاظه. قاتلكم الله قوم بهت.
وليس بعد الحق إلا الضلال.