صفة الاستواء

صفات الله سبحانه وتعالى قديمة أزلية لا يصيبها التغيّر، والرد على القول بأن صفة الاستواء حادثة من باب أفعال الله الاختيارية (منقول)

صفات الله سبحانه وتعالى قديمة أزلية لا يصيبها التغيّر، كما أن ذاته تعالى قديمة غير محدثة، وكل ما ثبت له سبحانه من صفات، فإنه لا بد أن يكون صفة كمال لا نقص فيها. أما الكرّامية ومن نحا نحوهم، فإنهم قالوا بجواز قيام الصفات الحادثة بذاته سبحانه، كصفة الاستواء الحادث على العرش، وعلّلوا ذلك بأنه من باب أفعال الله الاختيارية، التي تصدر عنه سبحانه حالًا بعد حال.

فنقول ردًا عليهم:

إن هذه الصفة التي تقولون إنها حادثة، إما أن تكون من صفات الكمال، أو ليست كذلك. فإن زعمتم أنها من صفات الكمال، لزمكم أن تقولوا: إن ذات الله سبحانه كانت قبل حدوث هذه الصفة خالية من الكمال، وخلو ذاته عن الكمال: نقص، والنقص على الله محال. وإن زعمتم أنها ليست من صفات الكمال، امتنع قيامها بذاته تعالى، لأن العقلاء متفقون – مسلمين وغيرهم – على أن ما يثبت لله من صفات، لا بد أن يكون من صفات الكمال المطلق، فثبت أن القول بقيام الحوادث بذاته تعالى باطل عقلًا ونقلًا.

وهذا يتأكّد ويزداد وضوحًا عند تطبيقه على ما يسمونه بـ”الاستواء على العرش”، والذي فسّروه بالعلو والارتفاع والجلوس والاستقرار، وهي أوصاف محدثة لا تليق إلا بالأجسام، لا بالخالق جلّ جلاله. ونحن نسألهم: العرش الذي استوى عليه الإله بزعمكم، هل هو قديم أم حادث؟ فإن قالوا: قديم، فقد أثبتوا مع الله تعالى قديمًا غيره، وهو العرش، وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو قول بقدم العالم. وإن قالوا: هو حادث – كما هو الحق – لزمهم أن يقولوا: إن استواء الله على العرش كان بعد خلقه، إذ لا يُستوى على شيء قبل وجوده. فيكون الاستواء حادثًا، لوقوعه بعد حدوث العرش، وهذا بعينه القول بقيام الحوادث بذاته سبحانه، وهو محال لما قرّرناه آنفًا.

ولا مخرج لهم من هذا التناقض إلا أن يلتزموا مذهبًا أبعد في البطلان، وهو القول بحدوث آحاد لا أول لها من العروش، أي أن الله تعالى يخلق عرشًا، ثم يفنيه، ثم يخلق عرشًا آخر بعده، و هكذا إلى ما لا نهاية له في الماضي، وهذا باطل أيضًا، لأنه يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث في الماضي، وهو القول بأن لا أول لخلق الله، وهو مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “كان الله ولا شيء معه”. فدلّ على أن الله تعالى لم يكن معه شيء من العرش ولا غيره، بل خلق كل شيء بعد أن لم يكن، وهذا يقطع إمكان وجود عروش متتالية لا أول لها.

فإن قالوا: الاستواء قديم مع قدم العرش، فقد وقعوا في محال أعظم، وهو إثبات قدم العرش مع الله، ليكون محلاً لفعل أزلي، وهذا باطل عقلًا وشرعًا، لأنه يستلزم أن يكون العرش غير مخلوق، وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فدلّ على أن العرش مخلوق.

فلا مخرج لهم إلا بتنزيه الله عن الحوادث والجهات، والإقرار بأن الاستواء صفة ورد بها النص، فيُثبَت بلا تكييف ولا تمثيل ولا تفسير بما توهّمه المجسّمة، فنقول كما قال الإمام مالك رضي الله عنه: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

وأما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار ونحو ذلك من أوصاف الأجسام، فهو قول المجسّمة، وقد أبطله السلف والخلف، لأنه يقتضي أن يكون الله جسمًا له جهة ومكان، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والجماعة.

وقد أحسن الإمام الفخر الرازي رحمه الله حين قال:

“إن من جوّز أن يكون الباري محلًا للحوادث، فقد أثبت قدم نوع الحوادث مع حدوث آحادها، وهو قول بحدوث لا أول له، وقدم لا ذات له، وهو من أبطل الباطل”. [نهاية العقول]

فالواجب في باب الصفات: إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل، وتنزيه ذاته تعالى عن الحدوث والتغير والمكان والجهة، كما أجمع عليه سلف الأمة وأئمة أهل السنة، لا كما يفعل المجسّمة، الذين يجعلون الله في جهة، ويصفونه بما يوصف به المخلوق، ثم يزعمون أنهم أهل التوحيد، وهم في الحقيقة أهل التجسيم والتمثيل والضلال المبين.

السابق
مهم جدا في بيان معنى العبادة شرعا وفساد هذا المعنى عند أدعياء السلفية المستبيحين لدماء وأموال الأبرياء من المسلمين (منقول)
التالي
قول السنوسي في توضيح الكلام النفسي عند الأشاعرة (وكيف يتوهم أنَّ كلامه تعالى مماثل لكلامنا النفسي وكلامنا النفسي اعراض حادثة) / منقول