(1) سلسلة هل ستتأولها أم ستحملها على الظاهر :
قال الله تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ))
هل ستأخذ لفظ ( لا يستحي ) على ظاهره وتنفي صفة الحياء عن الله أم ستتأوله تأويل الصحابة والتابعين وعلماء العربية أنه ( لا يترك ضرب المثل ) على سبيل المجاز المرسل ؟
(٢) :
قال الله تعالى : (( وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا )) حملها بعض اليهود على ظاهرها فقالوا رب محمد فقير يستقرض من المؤمنين به
وحملها الصحابة والتابعون والعلماء على مجازها اي يعطي ابتغاء وجه الله فأقام المفعول به مكان المفعول لأجله على سبيل المجاز المرسل
وسبب نسبة القرض إلى الله هو قطع المعطى عن المن أي لو كان الرب هو المستقرض الحقيقي لم يكن لك أن تمنن لأنك ومالك فيض من عطائه .
(3)
قوله تعالى : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ))
1- ففي قوله (( ألم تر إلى ربك )) فإنه لا يؤخذ على ظاهر اللفظ فيقال ألم تنظر إلى ربك لما في الظاهر من اعتقاد حلول الرب في جهة الرائي في الأرض وإنما يؤول بأن المراد ألم تنظر إلى صنع ربك .
2- وقوله (( قبضناه إلينا )) لا يؤخذ على ظاهره لما فيه من اعتقاد حلول الرب في الارض ومكافأته بالجهة ، وإنما يؤول بأن المراد بـ ( قبضناه إلينا ) أي اخذناه إلى حيث أردنا
(4)
قوله تعالى : (( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ))
فهذه الآية لو أخذنا (( فزادتهم رجساً )) على ظاهره لاتهمنا القرآن بأنه كتاب يتنجس به بعض الناس .
ولكن نأخذ بالمجاز ونتأولها كما تأولها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بإن المراد بـ ( فزادتهم ) أي ازدادوا هم بالانصراف عن السورة رجساً وليس القرآن هو الذي قام بزيادة تنجيسهم
كما قال الله بعدها (( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ))
(5)
قوله تعالى : (( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ))
لا نحمل كلمة (( فنفخنا فيه )) على ظاهرها فلا ننسب لله النفخ الحقيقي الظاهر في فرج مريم تعالى الله عن هذا الوصف علوا كبيراً
لكن نحمله على المجاز العقلي كما فسرته آية أخرى في أن النافخ في فرج مريم هو جبريل عليه السلام ، وأسند النفخ إلى الله لأنه هو الآمر بذلك .
كما أن كلمة (( روحنا )) هي إضافة تشريف فروح عيسى شرفت بإضافتها لله للتشريف لا أن الروح العيسوية جزء من الله كما يدعي عابدو المسيح
(6)
قوله تعالى : (( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ))
وقوله تعالى : (( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ))
- فإتيان الله هنا إن حملته على الظاهر من المعنى الحقيقي فقد وصفت الرب جل وعلا بالحلول في الغمام والحلول في الأرض هذا هو اعتقاد المجسمة والحشوية الحلولية .
*لكن نحمله على المجاز المرسل كما حمله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عندما قال تعالى (( فجاءها بأسنا )) فمعنى الآية يأتيهم أمر الله أن يأتيهم الله ببأسه في ظلل من الغمام كقوله (( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
وفي قوله : (( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ )) أي أتى أمر الله باستئصال قواعد البناء
(7)
قوله تعالى : (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ))
أخذ كلمة يستهزئ على ظاهرها من معنى الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى الله عن ذلك وتنزه .
انما تؤخذ على المجاز اللغوي وهو الجزاء فمعنى يستهزئ أي يجازيهم على استهزائهم ومن اساليب العرب استخدم المشاكلة اللفظية في الجزاء والمقابلة
ومن ذلك قوله تعالى : ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )) (( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ))
( 8 )
قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ))
فلفظ (( بين يدي الله ورسوله )) لا يؤخذ على معناه الحقيقي الظاهر
إنما تؤخذ على المجاز المرسل وقد حمله الصحابة على المجاز ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما الذي فسر يدي الله ورسوله بأنها الكتاب والسنة فالقرآن هو يد الله والسنة هي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والمراد نهي المؤمنين عن الفتوى والحكم والتقدم بالرأي قبل حكم الله ورسوله في حياته صلى الله عليه وسلم ، ويلزم منه استمرار النهي بتقديم الرأي على القرآن والسنة
( 9 )
ذكر بعض الآيات التي اتفق العلماء على تأويل اليدين فيها على المجاز
- هل القرآن له يدان حقيقتان أم مجازيتان ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ )) ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ))
- هل للمسخ يدان حقيقيتان أم مجازيتان ((فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ))
- هل المراد باليدين هنا الحقيقة ام المجاز ((وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ))
- هل للرحمة يدان حقيقتان ام مجازيتان ((وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ))
- هل للعذاب يدان حقيقيتان أم مجازيتان ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ))
- هل للنجوى يدان حقيقيتان أم مجازيتان ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) ( 10 )
قوله تعالى : (( وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))
هل ستأخذ الوجه على معناه الظاهر الحقيقي فتجعل ما سوى وجه الله هالكاً
أم ستأخذه على ما أخذه مفسرو القرآن من السلف والخلف أن المعنى كل شيء هالك إلا هو ، وهذا التأويل هو وجه الصواب والله أعلم . ( 11 )
قوله تعالى : (( اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ )) وقوله ((وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا )) وقوله : (( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ))
فإن (أعيننا ) تأول بالمجاز المرسل وهو بمرأى منا وبحفظنا وعنايتنا أطلق لفظ الأعين وأراد دلالاتها المعنوية كالحفظ والعناية والإحاطة والتعليم والارشاد والتوفيق والتثبيت على الأمر والأُنس به سبحانه وتعالى ( 12 )
قوله تعالى : (( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ))
هل ستحمل كلمة ( فَنَسِيَهُمْ ) على ظاهرها ومعناها الحقيقي فثبت لله صفة النسيان الحقيقي ، أم ستتأولها بالمجاز المرسل وتجعل النسيان هو تركهم من رحمته وفضله عمداً جزاء على تركهم لدينه وتركهم لتنفيذ اوامره
قال تعالى : (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )) (( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى )
( 13 )
قوله تعالى : ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ))
وقوله تعالى : ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
وقوله تعالى : (( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ )) (( وَأَكِيدُ كَيْدًا ))
وقوله تعالى : ((وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ )) (( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ))
هل ستصف الله بالمكر والكيد والخداع والسخرية على المعنى الحقيقي الظاهر الذي لا يليق الاتصاف به لكل ذات شريفة
أم ستحمله على المعنى المؤول على سبيل المجاز وهو المجازاة على خداعهم وسخريتهم وابطال مكرهم وكيدهم وامهالهم واستدراجهم
( 14 )
قوله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا )) هل ستأخذ بظاهر اللفظ وتجعل العزيز الحكيم يطاله الأذى ويؤثر عليه أم ستأخذها على المجاز لأن حقيقة الإيذاء يتصور في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتصور في الله سبحانه وتعالى فإيذاء الله مجازي ليس على معناه الحقيقي الظاهر .
ملاحظة :
اختلف المفسرون في تفسيرها على قولين :
والراجح الذي اتفق عليه اغلب المفسرون هو :
((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) المراد بالأذى فعل ما لا يرضى كالإشراك به ونسبة الصاحبة والولد به وانكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى، لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء .
والقول الثاني :
أنها بحذف مضاف يعني يؤذون أولياء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
وهذا القول يصدره المفسرون بلفظ ( وقيل )
( 15 )
قوله تعالى : (( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ))
هل ستأخذها على المعنى الظاهر فتجعل الله نوراً حسيا هو ضياء الشمس والكواكب ونار الارض ونور القمر مثل عباد الكواكب ..
أم ستتأولها على المجاز كما فعل السلف الصالح فقالوا :
(( الله نور السموات والارض )) اي : الله هاديهما ومنورهما .
فائدة :
((وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ))
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فَيُضِيءُ بِهِ الْأَرْضَ
قَالَ الحَسَنُ : بِنُورِ رَبِّها أي بِعَدْلِ رَبِّهَا
قَالَ الضَّحَّاكُ: بِحُكْمِ رَبِّهَا
( 16 )
من آيات المعية والحلول في الارض هل ستأخذها على ظاهر معناها الحقيقي اما ستتأولها على المجاز كما فعل اهل السنة من السلف والخلف
قوله تعالى : (( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))
وقوله تعالى : (( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) ((لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))
وقوله تعالى : (( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ))
وقوله تعالى : (( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ))
وقوله تعالى : (( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ )) (( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ))
وقوله تعالى : (( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ))
( 17 )
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ لمسلم
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: (( مَنْ هَذِهِ؟)) فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ تُصَلِّي، قَالَ: (( عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ))
هل ستأخذه على المعنى الحقيقي الظاهر فتثبت لله صفة الملل على المعنى الحقيقي المعروف أم على المعنى المجازي المراد به زيادة الثواب وقطعه عن العبد ؟
( 18 )
روى البخاري في صحيحه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :
(( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )).
هل ستصف ربك بصفة التردد على المعنى الحقيقي الظاهر أم ستحمله على مجاز الكناية عن اللطف والشفقة بالمؤمن ؟
وهل ستجعل ربك هو سمع المؤمن وبصره ويده ورجله أم ستحمله على المجاز على معنى الحفظ والتوفيق والهداية وموافقة العبد لمرضات الله ؟
( 19 )
روى البخاري ومسلم في صحيحهما
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))
- فهل ستحمل ( أنا الدهر ) على معناه الظاهر الحقيقي فتجعل الله هو الزمان فتعبد الدهر لأنه هو الله بذاته، أم ستؤوله بالمجاز بأن المراد :
أنا خالق الدهر وصاحبه المالك له ومصرف الأقدار التي تقع في خلاله ومقلب ليله ونهاره .
ملاحظة هامة:
ربنا تأوله بقوله ( اقلب الليل والنهار) فلزم ذلك انه صاحب الدهر وخالقه ( 20 )
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةَ يَمَانِيَةٌ، وَأَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ ))
رواه الإمام أحمد في المسند وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء سنده ثقات ، وقال الهيثمي في المجمع رجاله رجال الصحيح إلا شبيباً وهو ثقة
والعبارة (( الايمان يمان والحكمة يمانية )) رواها البخاري ومسلم في صحيحهما . - هل ستأخذ (نَفَسَ رَبِّكُمْ ) على ظاهره كالمشبهة وتثبت لله صفة التنفس على الحقيقة كما اثبتوا أيضا له صفة النفخ في فرج مريم على الحقيقة .
أم ستأخذها على المجاز بأنه كناية عن المعونة وتفريج الكرب والتنفيس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قِبَلِ اليمن . ( 21 )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا )) رواه أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وابن حجر - فهل يأخذ كون الله شريكا لهما وخروجه من بينهما على الظاهر ونثبت لله الحلول .
اما على المجاز ، فكونه شريكا ثالثاً فيه مجاز الاستعارة قال الطيبي :
عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْبَرَكَةَ وَالْفَضْلَ وَالرِّبْحَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْمَخْلُوطِ، فَسَمَّى ذَاتَهُ تَعَالَى ثَالِثًا لَهُمَا وَجَعَلَ خِيَانَةَ الشَّيْطَانِ وَمَحْقَهُ الْبَرَكَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخْلُوطِ وَجَعَلَهُ ثَالِثًا لَهُمَا، وَقَوْلُهُ: خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا تَرْشِيحُ الِاسْتِعَارَةِ .
يعني ليس على الظاهر بمخالطة وخروج الذات انما المراد الحفظ والبركة والربح والفضل.
( 22 )
روى مالك وأحمد والبخاري ومسلم
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (( إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى )) وفي رواية عند البخاري عن انس : (( إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته ))
- هل ستأخذه على ظاهره وتثبت لله الحلول والتحيز في الأرض والتحدد بجهات المخلوق
أم ستأخذه على المجاز المرسل كما قال شراح الموطأ
((فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ )) بِمَعْنَى أَنَّ مَا أَمَرَهُ بِتَنْزِيهِهِ وَتَعْظِيمِهِ قِبَلَ وَجْهِهِ وَأَنَّ فِي تَعْظِيمِهِ تِلْكَ الْجِهَةَ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ
وقال ابن حجر في الفتح عند (( رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ )) (( فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ )) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ الله أَو ثَوَاب الله.
وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ
وقال الحنابلة : لا يراد ظاهره انما كناية عن قرب الله من المصلي في حال صلاته . ( 23 )
روى الإمام احمد في المسند وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم على شرط البخاري ومسلم .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَا يُوطِنُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ بِهِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ))
وروى البخاري ومسلم
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ )) - فهل ستأخذ الحديث على ظاهره وتنسب لله التبشبش والفرح والهرولة والمعية على المعنى الحقيقي
أم ستأخذه على المجاز الذي اتفق عليه شراح الحديث أنه لا يراد الظاهر لأنه لا يليق بالله وانما يراد به معنى الرضا لقوله تعالى (( كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ )) أَي راضون
ويراد به بسط الله رحمته على عبده ورضى الله عن العبد ويراد بالهرولة تقريبه الى درجات عباده المقربين والتبشبش يراد به إظهار آثار رضى الله على العبد من التوفيق والتيسير وبسط الرحمة ورفع الضرر والعافية من الفتن واستجابة الدعاء وكثرة البركات. ( 24 )
عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ )) وفي رواية ( يضع رجله ) وفي رواية ( عليها ) بدل ( فيها )
رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي ، وأورد الترمذي مذهب السلف في أن هذا الحديث من الأحاديث التي لا تفسر على ظاهرها ولا تكيف .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان» .
رواه أحمد والطبراني في الأوسط وزاد: (( يشهد لمن استلمه بالحق، وهو يمين الله عز وجل يصافح بها خلقه )) .
وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. - فهل ستخالف السلف وتفسره على ظاهره فتجعل لله رجلأ حقيقية لها كيف وتدخل النار ولا تخرج منها ؟
- أم ستفوض المسألة كلها لعلم الله تعالى ولا تثبت ظاهره ولا تذكر أي معنى انما تقول الله اعلم بالمراد .
- أم ستأخذ بتأويلات بعض السلف وجماهير الخلف من شراح الحديث ان المراد مجاز الكناية عن قهر الله للنار وإذلالها حتى لا تطلب المزيد جريا على أسلوب العرب بالتعبير بالقدم على اذلال الشيء كقوله عليه الصلاة السلام في خطبة الوداع (( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ )) . فليس هذا على الحقيقة إنما على المجاز يريد إذلال وتحقير أمور الجاهلية .
- أو ستأخذ بتأويل جماعة من شراح الحديث أن المراد ان الله يقدم للنار خلقاً يختم به أهل النار فلا زيادة بعد هذه القدم .
كقوله تعالى : (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ )) فقدم الصدق الذي وعد به المؤمنون هو من أقدام الله عز وجل ( 25 ) - عًنْ أبيْ هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ )) رواه البخاري في صحيحه والإمام أحمد في المسند والحاكم وغيرهم ، وفي رواية الطبراني ( بحقوي ) بالمثنى .
- روى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أنّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : (( فيكشفُ عنْ ساقهِ، فيسجُدُ له كلُّ مؤمنٌ )) وفي رواية مسلم وبقية المحدثين ( عن ساق ) بغيره هاء مثل القرآن (( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ )) أتت بغير هاء .
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ )) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم على شرط مسلم
- هل ستأخذها على ظاهرها فتنسب لله الحقو الحقيقي الذي هو عظم بين البطن والمؤخرة يمسك السروال ، وهل الرحم تمسك بالحقو مسكاً حقيقيا وهل تنسب لله لبس الرداء والإزار على الحقيقة وانه يغطي ساقه بالسروال ويكشف الساق للناس على الحقيقية ؟
- أم تتأول الحقو ( والحقوين ) بمجاز الاستعارة للمبالغة في شدة استعاذة الرحم و واستجارتها بالله من القطيعة .
وأن الساق كما تأوله ابن عباس رضي الله عنه هو الأمر الشديد
وأن الرداء والازار مجاز على سبيل الاستعارة فكانت العرب تستعير لمعنى العظمة والكبرياء والعزة والاستغناء بالرداء والازار ( 26 ) - عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ )) رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم
وفي رواية أسماء (( لا شيء أغير من الله )) وفي رواية عبد الملك بن عير في الصحيحين (( لا شخص أغير من الله )) - عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ )) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَضْحَكُ الرَّبُّ، قَالَ: ((نَعَمْ )) ، قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا
ورواه الإمام احمد في المسند وابن ماجه وحسنه البوصيري - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ )) رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان
- هل ستأخذ بمذهب المشبهة والمجسمة بأن كون الله شخصاً له صورة وكونه يغار ويضحك ويتعجب على المعنى الحقيقي الظاهر
ام تأخذ بمذهب أهل السنة أنه على معنى يليق بجلال ألوهيته وكمال ربوبيته
بأن الغيرة يحمل على معنى تحريم الفواحش وترتيب العقوبة عليها في الدنيا والآخرة ، وأنا كلمة شخص تحمل على معنى كلمة أحد وأن الضحك يحمل على إرادة الخير واعطاء الثواب وأن التعجب يحمل على قبول العمل ولإثابته وعلى إرادة ظهور التعجب من الخلائق المؤمنة في عالم الملك والملكوت وإظهار الاهتمام بالعمل الصالح .
( 27 )
*روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري بلفظ ( يتنزل ) وفي رواية النسائي وابي يعلى والبزار ( يأمر مناديا فينادي )
- عَنْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ بَنِي ابْنَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: (( وَاللهِ إِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ، وَتُجَبِّنُونَ، وَتُجَهِّلُونَ، وإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللهِ، وإِنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ، وَطَأَها رَبُّ الْعَالَمِينَ بِوَجٍّ )) رواه احمد والطبراني بسند رواته ثقات
- هل ستأخذه على ظاهره وتنسب لله النزول الحقيقي إلى السماء الذي هو انتقال وحلول في مكان ؟
وهل ستنسب لله وطأ الأرض على المعنى الحقيقي ؟ - ام ستأخذه على مجازه من الكناية عن نزول رحمته الخاصة وحلول فضله في السماء وعلى العباد ، أو نزول ملائكة من الملأ الاعلى كما جاءت في رواية أخرى
وان الوطء كما تأول سفيان الثورة لوطأة الله تعالى في وادي وج في الطائف ان المقصود آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في وادي وج ( 28 )
قول عليه الصلاة والسلام (( وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ )) رواه البخاري ومسلم عن ابي هريرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَطُولِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا )) رواه البخار ومسلم
قوله عليه الصلاة والسلام : (( فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلَاثًا ” قَالَ: ” فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ )) رواه أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل وقال حسن صحيح - هل ستأخذها على ظاهرها وتنسب لله الصورة على المعنى الحقيقي وأن صورته صورة آدم على المعنى الحقيقي ، وهل ستنسب له الكف على معناه الحقيقي وأن لكفه أنامل على المعنى الحقيقي وأن لكفه وأنامله حرارة وبرودة على المعنى الحقيقي ؟
- أم ستنفي عن الله كل معنى حقيقته تشبيه وتمثيل وتجسيم وتفوض المعاني الحقيقية المرادة إلى الله كما فعل جمهور السلف أو تتأولها كما تأولها بعض السلف وجمهور علماء الخلف بما هو مذكور في كتب شروح الأحاديث ؟
مثل :
( برد انامله ) أي لذة الآثار التي خلقها الله في صدري
( على صورته ) أي خلق آدم على صورته المعروفة في البشر انما يختلف في الصورة عن البشر انه كان ستون ذراعا بقياس أذرع من كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث النهي عن ضرب الوجه يعني الوجه المضروب على صورة آدم .
( فيأتيهم الله في صورته ) أن الصورة هنا المراد بها الصفة فيأتيهم على صفة المخلوقات فيها تشبيه ليمتحنهم فينكرون لأن الرب لا يشبه المخلوقات ، ثم يتجلى لهم على الصفة التي يعرفون بلا تشبيه ولا تجسيم فيها فيتبعونه . ( 29 ) - قول عليه الصلاة والسلام : (( وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ )) رواه البخاري ومسلم
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ )) رواه البخاري ومسلم
فهل ستنسب لله الروح على المعنى الحقيقي وهل ستنسب له صفة الظل على الحقيقة الخاصة بالأجسام كما فعلت المجسمة وطوائف من المسلمين اليوم
ام ستأخذه كما فسره شراح الصحيحين أن الظل هو ظل العرش المخلوق وأن الروح هي الروح المخلوق التي تنسب لله نسبة إيجاد وإمداد وملكية كعبدُ الله وبيتُ الله
( 30 )
وهذا المنشور هو إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى طريقة التأويل بالمجاز لمنع الأخذ بما ظاهره التشبيه في باب صفات الله تعالى .
- روى الإمام مسلم في صحيحه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
كتبه
مولانا
العويدل الشلاري الرفاعي