التناقضات
[أجمَعووووا، لكنَّ الخلاف معروف]!
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): “وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش[1] وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها كما فى ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها وبقاء غير ذلك مما لا يتسع هذه الورقة لذكره”.
وقال في مجموع الفتاوى: “…و إنما يخالف في ذلك من شك كالجهم بن صفوان الذي يقول بفناء الجنة و النار و كأبي الهذيل الذي يقول بإنقطاع حركات أهل الجنة و النار فإن هذين أدعيا إمتناع و جود ما لا يتناهى فى الماضي و المستقبل و خالفهم جماهير المسلمين”.
وفي درء التعارض قال: “قال الجهم بفناء الجنة والنار واشتد إنكار سلف الأمة عليه ذلك”.
وفي الصفدية: “والجهم هو أول من أظهر هذا الكلام في الإسلام وطرد قياسه بأن ما كان له ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار, وكان هذا مما أنكره عليه سلف الأمة وأئمتها مع إنكارهم عليه نفي الصفات والقول بخلق القرآن ونفى الرؤية الذي هو لازم قوله بهذه الحجة”.
ونقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري في (درء التعارض): “وقال أهل الإسلام جميعاً ليس للجنة والنار آخر، وإنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، ليس لذلك آخر”. ولم ينكر قوله.
وكذلك فإنَّه في (نقد مراتب الإجماع) لم يعترض على قول ابن حزم بحصول الإجماع على بقاء النَّار أبداً، فهذا يدلُّ على موافقته في ذلك لأنَّ كتاب ابن تيمية هذا يتضمن الردَّ على ابن حزم فيما يراه ابن تيمية مخالفاً للصَّواب.
وهو شخصيا يقول: “ونعتقد ان الله تعالى خلق الجنة والنار وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء” في مجموع الفتاوى.
ثمَّ إنَّ ابن تيمية قد قال في (الرد على من قال بفناء الجنة والنار): “وأما القول بفناء النار: ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين، ومن بعدهم”.
وقال: “فسواء كان هذا قد حفظ هذا عن عمر، أو لم يحفظ كان مثل هذا الحديث [رواية رمل عالج التي يراها ابن تيميَّة دليلاً على انقطاع عذاب النار] <متداولا بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه>… فهؤلاء من أعظم أعلام السنة الذين ينكرون من البدع ما هو دون هذا لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة، والإجماع، كما يظنه طائفة من الناس… وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنة، و<أقوال الصحابة> مع أن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب، ولا سنة ولا أقوال الصحابة”.
وقال: “فأما الإجماع فهو أولا غير معلوم، فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع، نعم قد يظن فيها الإجماع وذلك قبل أن يعرف النزاع، وقد عرف النزاع قديما وحديثاً بل إلى الساعة لم أعلم أحدا من الصحابة قال: إنها لا تفنى، وإنما المنقول عنهم ضد ذلك ولكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا”.
اااا
أقول: هنا نقلان صريحان من ابن تيميَّة عن النَّاس[2] متناقضان، واحد ينقل فيه إجماع السلف والخلف على أنَّ النَّار لا تفنى بالكلِّيَّة (والمقصود بالكليَّة أن تفنى النار جميعها[3])، والثَّاني ينقل فيه نزاعاً معروفاً عن السَّلف[4] وعن الخلف في فناء النَّار، ويقول إنَّ القول بفناء النَّار قول بعض الصحابة رضي الله عنهم وعنا بهم[5]، وإنَّه لم ينكر بعض أعلام العلماء القول بفناء النَّار.
اااا
هذا التَّعارض الصَّريح يستلزم بطلان أحد النَّقلين، إمَّا بطلان نقل ابن تيميَّة الإجماع على بقاء النَّار وإمَّا بطلان نقل ابن تيميَّة عدم حصول الإجماع على فناء النَّار، بل حصول قول معروف من السلف والخلف بفناء النَّار.
فما سبب ذلك النَّقل الباطل عند ابن تيميَّة؟
هنا احتمالات:
الأوَّل: أنَّ ابن تيميَّة كان متعمِّداً للكذب في أحد النَّقلين.
الثَّاني: أنَّ ابن تيميَّة قد أخطأ في النَّقل.
والاحتمال الأوَّل بعيد [6].
فيبقى الثَّاني…
فيقال:
هنا احتمالان…
الأوَّل: أنَّ ابن تيميَّة قد أخطأ في نقل الإجماع على بقاء النَّار.
الثَّاني: أنَّه قد أخطأ في نقل كون القول بفناء النَّار قولاً للصَّحابة وبعض السَّلف.
وهاهنا يأتي السُّؤال الذي يلزم المسلم العاقل المنصف أن يراجع نفسه فيه…
إن كان النَّقل الباطل نقل الإجماع فكيف يخطئ ابن تيميَّة بدعوى الإجماع في أمر قد ثبت الخلاف المعروف فيه من الصَّحابة والسَّلف والخلف؟! أليست هذه جرأة على أمر خطير بغير تثبُّت من أقوال كثير منهم صحابة ومحدثون وسلف وخلف مخالفتهم في هذه المسألة معلومة ونزاعهم فيها قديم وحديث -بحسب زعمه-؟!