قدم العالم

نقض بعض شبهات ابن تيمية حول الفخر الرازي في مسألة دوام الفاعلية (منقول)

الرازي ٨٨٨٨
نقض بعض شبهات ابن تيمية حول الفخر الرازي في مسألة دوام الفاعلية

قال فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ما نصه:
“الفصل الرابع في دوام فاعلية الباري تعالى
إنا قد بيّنا في باب العلة أن واجب الوجود لذاته، كما أنه واجب الوجود لذاته، فهو واجب الوجود من جميع جهاته، وإذا كان كذلك وجب أن تدوم أفعاله بدوامه. وبيّنا أيضاً أن سبق العدم ليس شرطًا في احتياج الفعل إلى الفاعل.
وبيّنا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون له مبدأ زماني، وحللنا فيه الشكوك والشبه. وأيضاً فلو فعل بعدما لم يفعل لكان قاصدًا إلى الفعل التالي، وذلك محال كما سبق في باب المريدية، فالمذهب باطل، وقالوا: لو كان فاعلاً بعدما لم يكن لكان عالمًا بالجزئيات، وبطلان التالي يدل على بطلان المقدَّم.
وأيضًا العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود، وما لم يمتنع أن يكون دائم الوجود يكون دائم الوجود، فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود”. انتهى.

هذا النص من الرازي يتناول مسألة دوام فاعلية الله تعالى من زاوية عقلية محضة، ويندرج ضمن سياق مناظراته الكلامية في إثبات ما يليق بالله و ما لا يليق به وفق أصول المتكلمين.

فبدأ الرازي بتقرير أن الله تعالى “واجب الوجود لذاته”، أي أن وجوده لا يستند إلى علة خارجية، بل هو استحقه لذاته. وهذا يقتضي عقلا أن تكون أفعاله دائمة بدوام ذاته، باعتبار أن الأزلية من لوازم الوجوب الذاتي.

ثم نفى الرازي أن يكون سبق العدم شرطًا لوحده في احتياج الفعل إلى الفاعل، وسبب ذلك أن بعض الملاحدة قالوا: “الشيء لا يحتاج إلى الفاعل إلا إذا وُجد بعد أن لم يكن”. فلو كان موجودًا منذ الأزل، فلا معنى لاحتياجه إلى فاعل.
فأجاب الرازي عن ذلك بقوله أن ذلك غير صحيح، لأن الافتقار إلى الفاعل لا يُشترط فيه أن يُسبق المفعول بالعدم فقط، بل حتى – على تقدير وجوده في الأزل، فإنه يفتقر إلى الفاعل في كل لحظة من لحظات وجوده. فالافتقار ليس إلى “إحداث بعد عدم”، فقط بل إلى “إيجاد دائم من غيره”.
وبهذا فرق الرازي بين “القدم الذاتي” و”القدم بالإمكان” بالدلائل العقلية.
وأما من ناحية الشرع فكل حادث له بداية أي سبقه عدم جزما.

كما بيّن الرازي في موضع آخر أن الزمان لا يمكن أن يكون له بداية من جهة العقل الخالص، إذ أن تصور “أول الزمان” يقتضي مفارقة الزمان لذاته، وهو غير معقول. لكنه في موضع آخر، كما في المطالب العالية، فصل بين الحكم العقلي والحكم الشرعي، حيث قال عن الزمان: “فلم يكن واجب الوجود من جميع جهاته، فلم يكن واجب الوجود بحسب ذاته بل كان ممكن الوجود لذاته”. انتهى.
وهو يشير هنا إلى الزمان، مستدلًا على أنه مخلوق لأنه متغير، وكل متغير ممكن الوجود وليس واجبًا لذاته.

بل إن الرازي قرر في غير موضع من كتبه حدوث العالم بالأدلة العقلية القطعية، فقد استدل على ذلك في «لباب الإشارات» بقوله: أجسام العالَم متناهية، وكل متناه فإنه مختص بمقدار يجوز في العقل وجودُ ما هو أزيد منه وأنقص منه، وكل ما كان كذلك فإنه لا يختص بقدره المعيّن إلا بواسطة قَصْدِ فاعل مختار، وكل ما كان فعلا لفاعل مختارٍ فهو محدَثٌ؛ لأن القصد إلى الإيجاد لا يصح إلا حال الحدوث. انتهى
وأما قوله في المباحث المشرقية: “العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود…”
فهو من جنس التقرير العقلي المجرد، وليس من باب الحكم الشرعي القطعي. ويُفهم هذا في ضوء مسلك الرازي في كتبه الكلامية، حيث يقرر المسائل على وجه الاحتمال العقلي والمناظرة دون أن يلتزم بها في مقام العقيدة الشرعية، على خلاف ما فعله في التفسير الكبير وأساس التقديس حيث جزم فيها بحدوث العالم موافقة للنصوص الشرعية.

ويجب أن يُفهم كلام الرازي هنا على أنه تقرير لإمكان عقلي لا اعتقاد بوجوب ديمومة العالم لذاته، فالعالم عنده ممكن الوجود، ودوامه تابع لمشيئة الله تعالى. وهذا يختلف جوهريًا عن مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم بذاته، كما يختلف عن مذهب ابن تيمية الذي يرى أن نوع العالم قديم أزلي.

ومن ثم، فإن من زعم أن الرازي يوافق ابن تيمية في مسألة “قدم نوع العالم” لم يُحسن فهم كلام الرازي ولا دقّق في منهج ابن تيمية.
فابن تيمية يرى أن الفاعل لم يزل فاعلًا، ولا يزال، وأن المفعولات تتجدد بتجدد الإرادة الأزلية، بينما الرازي يرى أن دوام الفعل متصور عقلاً، ولكنه لا يقطع به شرعًا.

وباختصار، فإن الرازي يفرّق بين ما يجوزه العقل، وما تثبته الشريعة. فهو يُجيز قدم الزمان من حيث العقل المجرد – في مواضع من كتبه- ، لكنه لا يجزم بذلك اعتقادًا، بل يلتزم بحدوث العالم امتثالًا للنصوص. وأما ديمومية العالم وبقاءه عنده فهو ممكن من ناحية العقل إذا تعلقت مشيئة الله بذلك فقط.

وأما قوله : ” والأقرب من هذه الأقوال: أن يقال: دلت الدلائل على أن واجب الوجود لذاته واحد وثبت أن واجب الوجود لذاته، واجب الوجود من جميع جهاته، وذلك ينافي كونه سبحانه موردا للتغيرات والتبدلات …”

فهذا النص الذي ختم به الرازي كلامه هو بمثابة حسم للموقف العقدي والكلامي، وفيه تقرير لمفهوم واجب الوجود، وتفريق بينه وبين الزمان، حتى لو افترضنا جدلاً أن الزمان جوهر. وإليك تفصيل معاني العبارات :

قوله: “والأقرب من هذه الأقوال أن يقال: دلت الدلائل على أن واجب الوجود لذاته واحد”
أي أن البراهين العقلية تثبت أن هناك إلهاً واحداً فقط، لا شريك له، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في وجوده، بل هو واجب بذاته.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن تفكير الرازي في الزمان الجوهري يبدو أنه لم يتبلور بشكل كامل، ولم يبلغ موقفه درجة
اليقين التام، كما تدل على ذلك عبارته ” والأقرب من كل هذه الأقوال”، فلا يصح هنا إلزام كل أهل السنة الأشاعرة بكلام الرازي بخصوص الزمان.

وقوله: “وثبت أن واجب الوجود لذاته، واجب الوجود من جميع جهاته”
هذا توكيد مهم: أي أن الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل من أي جهة كانت، فهو ثابت الوجود بكل اعتبار، ليس في ذاته قابلية للنقص أو القوة أو التبدل.
وهذا من لوازم كونه واجب الوجود بذاته: أنه لا يطرأ عليه شيء، لأن كماله محض.

وقوله: “وذلك ينافي كونه سبحانه مورداً للتغيرات والتبدلات”
أي أن الله سبحانه لا يكون محلاً للتغيرات. لأن التغير يعني انتقال من حال إلى حال، وهذا نقص، والله منزه عن ذلك.
فالتغير لا يليق بمن كان واجباً الوجود من جميع جهاته.

وقوله: “لكن المدة والزمان مورد للتغيرات والتبدلات بحسب توارد القبليات والبعديات عليه”، أي أن الزمان هو الذي تتغير فيه الأمور، وتطرأ عليه حالات مثل “قبل” و”بعد”.
هذه القبليات والبعديات تحصل بسبب تعاقب الحوادث.
فالتغير هنا ذاتي للزمان أو مرتبط به، وليس مجرد نسبٍ كما في حق الله.

وقوله: “فلم يكن واجب الوجود من جميع جهاته، فلم يكن واجب الوجود بحسب ذاته بل كان ممكن الوجود لذاته”

و هذه نتيجة استدلالية حاسمة من الرازي: فالزمان لأنه يتغير، لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته.
بل هو ممكن الوجود: يحتاج إلى غيره في تحققه، ويمكن أن يوجد أو لا يوجد. وهذا ردّ ضمني على من قال إن الزمان جوهر واجب الوجود (كما نقل سابقاً عن بعض القدماء)، فيقول الرازي:
هذا مرفوض، لأن واجب الوجود لا يتغير، بينما الزمان يتغير بالضرورة.

وقوله: “وأما الإله فهو الموجود المقدّس عن التغيرات، العالي عن أن يلحقه شيء ما بالقوة”

معناه أن الله سبحانه وتعالى هو مقدس عن التغير: لا يتحول، لا يزداد، لا ينقص، و”لا يلحقه شيء بالقوة”: أي لا يوجد فيه استعداد لشيء لم يتحقق بعد، كما هو الحال في الموجودات الممكنة (التي لها قوة/قابلية للتحول).

ثم قال الرازي: “فهذا هو الذي به نقول، وعليه نعوّل. والله الهادي.”
هذا هو القول الذي يرتضيه الرازي ويعول عليه، ويعتبره الصحيح في العقيدة.

و الخلاصة أن الزمان ليس واجب الوجود لأنه يتغير وتتعاقب عليه النسب.
الله وحده واجب الوجود من جميع جهاته، فهو ثابت لا يتبدل.
كل ما يتبدل أو تتغير نسبه الذاتية فهو ممكن، لا واجب.
الزمان إذن مخلوق غير قائم بذاته كالخالق.

السابق
شبهة تجهيم الامام أحمد للكرابيسي / منقول /
التالي
شرح كلام الرازي الذي ذكره في المطالب العالية حول ماهية الزمان (منقول)