تساءل بعض الأخوة عن فحوى هذا المنشور في الصُّورة، فرأيت التَّعليق عليه بما يلي:
قعَّد هذه القاعدة في التَّرك الإمامُ النّظَّار أبو إسحاق الشَّاطبي وخلاصتها أنَّ: “ما تَرَكه المُصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مع وُجود الدَّاعي وانتِفاء المانع؛ فتَركه: سُنَّة، وفِعله: بِدعة” وهي قاعدة تجري على مذهبه المعروف في البِدعة الإضافيَّة.
وقد قال بها قبله ابنُ تَيميَّة الحرَّاني وتلميذه ابن القيِّم، وإن كان استِحسانهما لبعض المُحدثات مع عدم ورودها؛ يُعارض تأصيلهما في المسألة.
وهذه القاعدة إنَّما مِصداقها ما كان “واجب التَّرك” لا “جائز التَّرك”، والمقصود بواجب التَّرك: ما يتوَجَّب على المُسلم تركه إمَّا لوُقوعه في دائرة النَّهي أو لمُصادمته لمقاصد الشَّرع أو لمُعارضته للأصول والقواعد العامَّة في الشَّريعة الغرَّاء.
وبيانه فيما يلي:
قال تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” [الحشر: 7] ولم يقُل ربُّنا: وما تَرَكه فاترُكوه، وقد استفادَ المُفسِّر الألوسي من هذه الآية أنَّ النَّهي لا يُستفاد من مُجرَّد التَّرك.
ثمَّ إنَّ جميع المُباحات وكلّ المُستحبَّات في شرعنا؛ إنَّما هي من الأمور الَّتي لا تُدرك بحَد ولا تُحصى بِعَد، فمن غير المعقول القول بأنَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد فعلَ كلّ فرد منها؛ وإلَّا فلن يسعه العُمر أو قُل الأعمار كلّها.
فهل يُشترط تلاوته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لحزبَين من القرآن الكريم كلّ يوم؛ حتَّى يفعل المسلم ذلك؟! ثمَّ ماذا لو أراد آخر أن يقرأ حزبا كلَّ يوم وآخر ثلاثة أحزاب وآخر رُبعا وآخر يُطيق أكثر، وهلمَّ جرًّا.
إذن: كيف يتوَقَّف القول بمشروعيَّة أمر ما على وجوب فِعله له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ إذا كانت أعيان المُستحبّ والمُباح ممَّا لا يتناهى؟! هذا خُلف.
فالقولُ الحقّ هنا هو النَّظر في مدى موافقة هذه الأعمال المُحدثة لأصول الشَّريعة واندراجها تحت نُصوص الطَّلَب العام وعمومات الشَّرع كقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، “اقرؤوا القرآن فإنَّه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة” الحديث.
ولو سلِّم الاطلاق في هذه القاعدة لتوَجَّب القول:
1- بعدَم جواز العمل بعمومات نصوص الشَّريعة التي تحثُّ المسلم على الاكثار من الذِّكر، وصلاة النَّفل، وصيام التَّطوُّع والصَّدقة وغيرها من المُستحبَّات، اللَّهم إلا ما ثبت فِعله كمًّا وكَيفاً عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم!
وعلى هذا فلا يجوز صيام شهر تطوُّعا لله لأنَّه لم يَرد!، ولا يجوز ختم القرآن في ركعتين كما ثبت عن بعض السَّلف!، ولا ختمه في كلِّ يوم من رمضان كما ثبت عن الإمام الشَّافعي وبعض السَّلف!، ولا يجوز التَّصدق بمقدار معيَّن كل صباح يوم جمعة مثلا!، ولا يجوز تحديد مقدار مُعيَّن لصلاة اللَّيل تطوُّعا لله كما ثبت عن بعض السَّلف وكذلك الإمام أحمد بن حنبل الَّذي كان يُصلِّي 300 ركعة في كلِّ يوم كما روى ابنه عبد الله في مسائله!…الخ
ولا شكَّ أنَّ التزام هذا الهذيان يعني رمي الأمَّة الإسلاميَّة بالبدعة سلفاً وخلفاً، وهذا فيه ما فيه.
2- اختزال كل السُّنَّة الشَّريفة في فِعله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقط، وأمَّا أقواله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم المتضمِّنة لطلب فِعل المستحبَّات فهي ملغاة باستثناء ما فعله منها صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وعلى هذا فلا فائدة في قسم كبير من سنَّته القوليَّة صلَّى الله عليه وآله وسلَّم!.
إذن: فقد يترك صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مثلا فِعل بعض المستحبَّات اكتفاءً منه صلَّى الله عليه وآله وسلم باندراجها تحت نُصوص الطَّلَب العام أو لانشغاله صلَّى الله عليه وآله وسلم بترسيخ ما هو أوجب منها كإقامة معالم الدَّولة الإسلاميَّة…الخ، ولا يعني هذا إلحاق هذه الأمور المتروكة فعلًا بدائرة “واجب التَّرك” أو البِدع المَذمومة شرعًا.
فلا يصلح استعمال هذه القاعدة لإثبات بدعيَّة المَولد مثلا وغيرها من الأعمال المُندرجة في دائرة المُباحات أو المُستحبَّات، والَّتي لا يعقل أن يفعل كلّ فرد من أفرادها حضرة المُصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.
فلم يخُط المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وآله وسلَّم خطوطا في المسجد لينظِّم صفوف المصلِّين مع وجود الدَّاعي – وهو تَسوِية الصُّفوف أثناء صلاة الجماعة – وانتفاء المانع، ولا يعني هذا أنَّ فِعله: بدعة، وتَركه: سُنَّة؛ لأنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان يحثُّ على تَسوِية الصُّفوف من دون تحديد للكيفيَّة كما جاء في أحاديث صحيحة.
ولم يجمع صلَّى الله عليه وآله وسلَّم النَّاس على إمام واحد في صلاة التَّراويح، ولا حدَّد لهذه الصَّلاة وقتا بعد صلاة العشاء بقليل كما دُرج على فعله منذ عهد الخليفة الرَّاشد الفاروق عُمر رضي الله عنه إلى يوم النَّاس هذا؛ بل أفضل أوقاتها ما تأخَّر عن هذا كما ثبت من قول الفاروق نفسه: “والَّتي يَنامون عنها خير لو كانوا يعلمون” أو كما قال رضي الله عنه في حديث التَّراويح الصَّحيح، ولا وَرد وأن ختم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم القرآن في صلاة التَّراويح، ولا حدَّد ليلة 27 أو 29 أو غيرها للختم…الخ ولا يعني هذا أنَّ فِعل ذلك: بدعة، وتركه: سُنَّة.
ولم يُلحق المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بالمسجد لافتات ولا معلَّقات تذكِّر بقواعد العقائد أو كيفيَّة الوضوء أو فقه الصَّلاة أو آداب المسجد أو دُعاء الوضوء أو دُعاء الدُّخول إلى المسجد أو مجلَّة المسجد أو نحوه، مع وجود الدَّاعي وانتفاء المانع، وما حديث الأعرابي الَّذي بال في مسجده صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عنَّا ببعيد، ولا يعني هذا أنَّ فِعل ذلك: بدعة، وتركه: سنَّة.
ولا شكَّ أنَّ حفظ كتاب الله من الأمور المطلوبة شرعًا؛ ومع ذلك لم يُقم المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مُسابقات للتَّنافس على تحفيظ القرآن الكريم ولا وزَّع جوائز لتكريم الطَّلبة الحفظة ونحو ذلك؛ ولا يعني هذا بأيِّ حال أنَّ فعله: بدعة، وتركه: سُنَّة.
فالأصل في الحكم على الأفعال المُحدثة يرجع إلى مدى مُوافقتها لأصول الشَّريعة، وعدم مُخالفتها لقواعدها العامَّة، وفي الحديث الصَّحيح: “مَن أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ” فتأمَّل القيد هنا: “ما ليس منه” بمعنى: ما يُخالف أصول الدِّين، فخرج بهذا كلّ مُحدث يُوافق أصول الشَّريعة ولا يُعارضها بوجه من الوجوه.
وخِتاما يُقال: لو كانت هذه القاعدة صحيحة هكذا بإطلاق؛ لتَوَجَّب عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم – وفق منطق المُخالف – أن ينصَّ عليها بأيِّ شكل من الأشكال، نظرا لوُجود الدَّاعي وانتفاء المانع كما لا يخفى.
والله الموَفِّق.