إذن بدعة ابن كلاب ـ حسب زعم ابن تيمية ـ وهي أزلية كلام الله وما تفرع عنه من القول بنفي السكوت عن الله قد قالها الأشعري نفسه وفي كتاب الإبانة، والمفترض أن الأشعري قد تاب في الإبانة عن عقيدة الكلابية والجهمية والمعتزلة ورجع إلى عقيدة السلف في كتاب الإبانة … فأين هذا الرجوع المزعوم؟!!!!
(2) كتاب الإبانة للأشعري وتحقيق ما قيل عن مخالفة الأشاعرة له [1]
وأما نقض هذه الدعوى بالتفصيل ومن حيث المضمون، فأنا ـ وبعون الله ـ لن أنقضه إلا بكلام ابن تيمية نفسه هو وأتباعه.
فأقول وبالله التوفيق: ننبه أولا أننا سوف نغض الطرْف حول الجدل الطويل حول كتاب الإبانة، ولا شك أن الأشعري ألف كتابا اسمه الإبانة، ولكن هل الإبانة الذي بين أيدينا الآن هو عين الذي ألفه الأشعري؟ هذا محل شك وجدل كبير لاسيما مع مقارنة الطبعات العديدة للإبانة الموجودة حاليا فيما بينها البين فعدها سوف نجد بينها اختلافا كبيرا وزيادة ونقصا، والأمر أظهر مع مقارنتها بالقطعة التي نقلها ابن عساكر من الإبانة في كتابه تبيين كذب المفتري، كما هو مبسوط في موضعه[2].
فسوف نغض النظر عن هذا الجدل والخلاف الطويل ونفترض أن الإبانة التي بين أيدينا هي نفسها التي ألفها الأشعري، وسوف نغض النظر أيضا عن الجدل حول مسألة هل الإبانة آخر ما ألفه الأشعري أم ألف بعدها كتبا أخرى؟ خلاف طويل أيضا ممكن نأتي عليه وسنرى ترجيح د. المحمود وغيره من أتباع ابن تيمية أن الإبانة هي آخرى ما ألّفه[3].
ونحن هنا سنسلم جدلا الآن بأن الإبانة هي آخر كتب الأشعري، كما سلمنا جدلا بأن الإبانة التي بين أيدينا هي نفسها التي ألفها الأشعري، وإنما سنسير هنا بالنظر في العقائد المدونة في الإبانة الحالية ومقارنتها مع كتب الأشعري الأخرى ومقارنتها أيضا مع كتب الأشاعرة لاسيما المتأخرين منهم الذين يزعم ابن تيمية أنهم خالفوا الأشعريَّ في كتاب الإبانة.
فمثلا سنأخذ مسألة متعلقة بكلام الله، هل هو أزلي؟ وهل يصح بأن يوصف الله بالسكوت؟ فمن المعروف بأن مذهب الأشاعرة المتقدمين منهم والمتأخرين بأن كلام الله أزلي مطلقا، وأن الله لا يصح أن يوصف بالسكوت لما يلزم من ذلك من حلول الحوادث بذاته تعالى، ومذهب ابن تيمية هو أن كلام الله أزلي النوع حادث الأفراد، وأن الله يتكلم تارة ويسكت تارة، وقد بسطنا ذلك في موضع آخر[4].
وقد زعم ابن تيمية أن من العقائد التي أجمع عليها السلف هي أن الله موصوف بالسكوت كما هو موصوف بالكلام، فهو يتكلم ويسكت، وفي ذلك يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/ 179): فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت[5].اهـ
بل يعتبر ابن تيمية نفي صفة السكوت، وأن الله لم يزل متكلما: بدعة كُلّابية مخالفة لعقيدة السلف، ويرى ابن تيمية أن هذه البدعة مبنية على أساس باطل وهو استحالة حلول الحوادث به تعالى، وأن هذا الأساس ـ وهو استحالة حلول الحوادث بالله ـ أول من ابتدعه ابنُ كلّاب، وتابعه الأشعري على ذلك.
قال وليد ابن الصلاح: بغض النظر الآن عن هذا الكلام والإجماع الذي يدعيه ابن تيمية، فهذا ليس غرضنا الآن وإنما تعالوا بنا إلى إلى كتاب الإبانة الذي رجع فيه الأشعريُّ إلى عقيدة السلف كما يردد ابن تيمية وأتباعه، لنرى ما يقول الأشعري فيه حول صفة السكوت؟ هل يصف الأشعريُّ في كتابه الإبانة اللهَ بالسكوت كما أجمع على ذلك السلف، أم أن الأشعري ينفي صفةَ السكوت عن الله، بناء على أساس “مبتدع” وهو أزلية كلام الله مطلقا كما هو مذهب ابن كلاب، حسب زعم ابن تيمية ؟!!
ولدى الرجوع إلى الإبانة وجدنا الإمام الأشعري ـ رحمه الله ـ ينفي السكوت عن الله، ويصف كلام الله بأنه أزلي مطلقا، ويستدل الأشعري على ذلك بالنقل والعقل، وليس هذا فحسب بل إن الأشعري يجعل وصفَ الله بالسكوت تارة وبالكلام تارة ـ كما هو قول ابن تيمية ـ يجعله من أقوال الجهمية[6]، وإليك نص الأشعري في الإبانة (ص: 63): وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما كما وجب أن يكون لم يزل عالما ….إلى أن يقول: ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا .اهـ
فتأمل قول الأشعري هنا: ” صح أنه لم يزل متكلما لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات ” ففيه إثبات أزلية كلام الله مطلقا ، ونفي السكوت عنه، وكلا المسألتين يخالف فيهما ابن تيمية ويعتبر قول الأشعري فيهما هذا بدعة كلابية مخالفة لعقيدة السلف وما أجمعوا عليه كما سبق!!!!
إذن بدعة ابن كلاب ـ حسب زعم ابن تيمية ـ وهي أزلية كلام الله وما تفرع عنه من القول بنفي السكوت عن الله قد قالها الأشعري نفسه وفي كتاب الإبانة، والمفترض أن الأشعري تاب في الإبانة عن عقيدة الكلابية والجهمية والمعتزلة ورجع إلى عقيدة السلف في كتاب الإبانة … فأين هذا الرجوع المزعوم؟!!!! وما هو رأي ابن تيمية وأتباعه بنص الأشعري هذا في كتاب الإبانة ؟
في الواقع لقد اعترفوا ـ أي ابن ابن تيمية وأتباعه ـ بأن هذا من رواسب المذهب الكلابي الذي بقي في مذهب الأشعري حتى في كتاب الإبانة …..!!!!!
إن ابن تيمية ومن لف لفه حينما رأوا في الإبانة هذا النص للأشعري وأمثاله ترددوا فيما كانوا يشيعونه حول رجوع الأشعري عن المذهب الكلابي إلى عقيدة السلف أو إلى عقيدة أهل السنة والجماعة[7].
وعلى سبيل المثال نذكر هنا ما قاله أحد باحثي الوهابية الكبار وهو …. وانظر اللاحق:
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/924262621021094/
[1] انظر السابق:
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/921361567977866/
[2] انظر :
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/920767718037251/
[3] انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (1/ 385)
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/401968433250518/?hc_location=ufi
و:
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/401999056580789/
[4] انظر
https://www.facebook.com/…/permalink/772526862861338/
[5] وانظر هذا النص وغيره موثقا بالصور:
https://www.facebook.com/yacine.ben.rabie/posts/1565576670343630
[6] قال وليد: وهذا صحيح لأن القول بحلول الحوادث بذات الله هو من مما يُحكى عن زعيم الجهمية وهو جهم بن صفوان وعُرف به في كتب الفرِق، قال الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق (ص: 199): الجهمية اتباع جهم بن صفوان الذى قال بالاجبار والاضطرار الى الاعمال وانكر الاستطاعات كلها …. وزعم ايضا أن علم الله تعالى حادث …. وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية ولم يسم الله تعالى متكلما به واكفره أصحابنا فى جميع ضلالاته.اهـ
[7] ننبه دائما إلى أن ابن تيمية وأتباعه حينما يطلقون مصطلح عقيدة السلف أو عقيدة أهل السنة والجماعة أو أهل الحق أو نحو ذلك فإنما يقصدون بذلك عقيدة ابن تيمية نفسه للترويج لها، تماما كما يطلقون على عقائد مخالفيهم من الأشاعرة وغيرهم أنها عقائد الجهمية والمبتدعة وأهل الباطل ، للتنفير منها، والله الموفق.
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/posts/923662021081154