اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

هل كتاب الشرح الممتع لابن عثيمين كتاب فقه حنبلي محض؟ (مقال منقول عن قناة سلفية وهي تحريرات عقدية)

سألني بعض الإخوة عن الشرح الممتع لابن عثيمين، وعن كونه لم يُكتب على الطريقة المذهبية الصِّرفة، فرأيت أن أُجيب عن هذا قبل الانتقال إلى المأخذ التالي.

أولًا:
ابن عثيمين نفسه انتقد ما يُسمّى بـ(فقه الدليل) بصورته الشائعة، وصرّح بأن الدعوة المطلقة إليه تُفضي إلى فوضى فقهية، وقال في أحد دروسه : (كان مشايخنا ينصحوننا بحفظ الزاد والروض والتدرج في المذهب ونحن ننصح طلابنا بذلك.. ثم ابتُلينا في الآونة الاخيرة في هذه الديار بمن يقول للطلبة: عليكم بفقه الدليل.. وهذه فوضى !!).

وهو مقطع صوتي سمعته منذ سنوات.. وهو ما يدل أن الشيخ يقينًا ليس على هذه الطريقة

أضف إلى ذلك أن الشيخ له غير الشرح الممتع، كتب أخرى مذهبية صرفة، فله حواش مذهبية على الروض مثلاً، لم يخرج فيها عن المذهب.

ثانيًا:
أخطأ من ظنّ أن الشرح الممتع فقه دليل، وإنما وقع هذا الظن بسبب ترجيحات الشيخ أثناء الشرح، وهذا الخطأ ناشئ عن أمرين:

١-عدم فهم حقيقة ما يُسمّى بفقه الدليل.
٢-عدم فهم منهجية الشيخ في الشرح.

أما الأول :
فأصحاب فقه الدليل إذا شرحوا متنًا فقهيًا = إنما يتخذونه إطارا دراسياً لعرض آرائهم واختياراتهم، ولا يُعنَون بتصوير مسائل المذهب نفسه ولا تحريره ولا موارده ولا وجوه الأصحاب (لأنهم لا يعرفونها أساساً)

أما شرح ابن عثيمين فليس كذلك؛ إذ يعتني بشرح مسائل المذهب شرحًا تامًا، وتصويرها تصويرًا دقيقًا، ثم يأتي الترجيح بعد ذلك، على أنه اختيار شخصي لا يؤثر في بناء المسألة المذهبية ولا في فهمها.

وقد أقرّ بذلك الشيخ محمد السيد الحنبلي الأشعري – شيخ الحنابلة بالأزهر – إذ قال إن ابن عثيمين من أحسن من صوّر مسائل المذهب، وإنك لو تركت ترجيحات الشيخ لانتفعت به كثيرا…
ذكر هذا من ضمن أجوبته على برنامج (آسك)


أما الثانية: عدم فهم مناهج الشروح:

وذلك لأن الشرح له مناهج متعددة؛ منها ما يقتصر على بيان المعتمد فقط، ومنه بيان وجوه المذهب فقط، ومنها ما هو شرح موسّع كـالمجموع للنووي مثلاً ونحوه.

بل إن الكتب المذهبية نفسها لا تخلو من ترجيح شخصي؛ فالمرداوي مثلاً في الإنصاف يقول في مواضع كثيرة: (وهذا القول أقوى، والمذهب على خلافه)

وابن حجر الهيتمي في تحفة المنهاج يناقش أصحابه كثيرًا، ومن ذلك مثلاً مسألة التكفير بالسجود، حيث أن المذهب هو التفريق بين سجود التحية والعبادة، ومع ذلك خالفهم وناقشهم في صفحتين أو ثلاثة .

فالعبرة في الشروح المطوّلة ليست بوجود الترجيح، وإنما بحسن شرح المذهب وتحريره.

وشرح ابن عثيمين من الشروح التي تعتني:
ببيان (معتمد المذهب) نفسه ومنزعه، وذكر الخلاف داخل المذهب، والمذاهب الأخرى، ولا سيما الشافعية، وذكر رأي ابن تيمية وبيان منزع كل فريق.

وكل ذلك= من باب الإثراء العلمي الذي يُدرّب الطالب المتقدم على فهم المسائل ومآخذها.

بل إن هذه الطريقة أدعى إلى ترسيخ المسألة في الذهن؛ لأن تقليب المسألة يمنة ويسرة= يعمل على تثبيت أصولها ويكشف عن عللها.

لكن بالتأكيد هذا يناسب الطالب المتوسط او المتقدم، ولا يبدأ به الطالب المبتديء إلا لفهم مسألة اشكلت عليه ونحو ذلك.

ومن الأمور التي تبين لك أهمية شرح الشيخ ، ما ذكره لي أحد الإخوة منذ سنوات فقال لي ما معناه:
أنه كان يأخذ موقفًا سلبيا من شرح ابن عثيمين، ظنًا منه أنه فوضوي- كما كان يُشاع من غلاة المتمذهبة – ، وكان الأخ قد التحق ببرنامج دراسي مذهبي، ويجد صعوبة شديدة في فهم المتون والشروح، حتى وصل إلى باب من الأبواب – أظنه قال باب البيوع والمعاملات-، فلم يفهم منه شيئًا، وكاد أن يحبط، وبقي شهورًا على هذه الحال.
حتى نصحه أحد الإخوة بمطالعة شرح ابن عثيمين.
قال لي: فهمت الباب بسهولة ويسر، وندمت أشد الندم أني لم أستعن به منذ البداية، إذ أضعت من عمري فترة طويلة، وحُرمت من هذا الخير بسبب دعاة السوء!

المقصود: أن تنوع طرائق الشروح أمر محمود، والنظرة السلبية للكتب تأتي من الجهل غالبًا..ولو فهمت مناهج العلماء في كتبهم = لوضعت كل كتاب في سياقه، وسوف تستفيد منه بالطريقة التي تناسبك.

والله أعلم.

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٩)/ المؤاخذة التاسعة : العزلة عن علماء الأمة/ تحريرات عقدية/
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٨) / المؤاخذة الثامنة : فقه الدليل وعدم التمذهب / تحريرات عقدية /