هل الله داخل العالم أم خارجه؟
(مقال يظهر لك حقيقة المسألة بوضوح تام من خلال حوار مفترض)
قال: هل الله عندكم داخل العالم أم خارجه؟
قلت: الله خارج العالم، بمعنى أنه بائن منه بحقيقته وقيوميته أي ليس حالا في العالم ولا محلا له، وهذا معنى خارج العالم عندنا.
قال: هل هذا المعنى لخارج العالم حقيقي أم مجازي؟
قلت: هذا المعنى للخارج عندنا هو تعريف له بلازمه، لأن من لوازم أن يكون الشيء خارجا عن غيره أن لا يحل فيه ولا يكون محلا له، والتعريف بلازم المعنى لا يخرج عن المعنى الحقيقي.
قال: فما معنى بائن بحقيقته وقيوميته؟
قلت: أي أن حقيقة الله لا تقبل أن يكون حالا في العالم أو محلا له، وأنه بقيوميته مستغن عن الحلول في العالم أو يكون محلا للعالم.
قال: بما أنكم تثبتون البينونة، والوهابية يثبتونها، فما الخلاف بينكم وبين الوهابية؟ ولماذا يشنعون عليكم؟
قلت: نحن وإياهم متفقون أن الله بائن من العالم، ولكنا مختلفون في نوع البينونة، فنحن عندنا البينونة بحقيقة الله وقيوميته كما مر معك، وعندهم الله بائن عن العالم بحيزه.
قال: ما معنى البينونة بالحيز عند الوهابية؟
قلت: الحيز هو حدود المتحيز وغاياته، فالله عندهم متحيز أي له حدود ذاتية تحده فتجعله منفصلا عن العالم بذاته المحدود ككل المتحيزات، وهذا معنى بينونة الله عن العالم بحيزه، لذلك يعرفون الخارج بحقيقته وليس بلازمه.
قال: ما معنى الخارج بالمعنى الحقيقي الذي يثبته الوهابية وتنفونه أنتم؟
قلت: حقيقة الخارج أنه علاقة ذهنية بين جسمين، ومقتضى هذه العلاقة أن يكونا منفصلين عن بعضهما البعض بحيز كل واحد منهما. وهذا هو الخارج الذي ننفيه نحن عن الله بقولنا(الله لا داخل ولا خارج العالم) لأن الله منزه عن التحيز -سبحانه-.
قال: وهل هذا هو قول الوهابية؟
قلت: بلا أدنى شك، فالله عندهم منفصل عن العالم بحيزه، لذلك لا يمنعون اتصال الله بالعالم بالقرب الذاتي ما دام منفصلا بحيزه.
قال: ما معنى أن الوهابية لا يمنعون اتصال الله بالعالم بالقرب الذاتي؟
قلت: بوضوح…..الحلول الممنوع على الله عندهم هو الحلول الكامل الذي هو سريان الله في العالم كسريان الروح في الجسد، فهذا هو الممنوع، وأما الحلول الجزئي بمعنى أن يقترب الله بذاته من مخلوقاته ويلتصق بهم من غير امتزاج فليس ممنوعا عندهم.
قال: يعني ما فهمته أنكم الأشاعرة تنزهون الله عن الحلول الكلي والجزئي بالبينونة بالحقيقة والقيومية، وهم ينزهون الله عن الحلول الكلي لا الجزئي بالبينونة بالحيز؟
قلت: نعم.
قال: هل عندك دليل على هذا الذي تنسبه للوهابية؟
قلت: نعم…فهم يقولون بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا بذاته ولا يخلو منه العرش، أي أن الله يخترق العرش والسموات السبع ليستقر فوق الأرض في الثلث الأخير من الليل ويبقى الجزء الأكبر منه فوق العرش، وما ذلك إلا عين الحلول الجزئي.
قال: أعوذ بالله من كلامهم هذا الذي لا يخرج عن التجسيم.
قلت: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
وليس بعد الحق إلا الضلال.