سياسة

نسف التفاخر بالأعراق بآية وحديث

نسف التفاخر بالأعراق بآية وحديث

علّق بعض الإخوة الأكراد على المنشور السابق[1] بكلمات مسيئة لي (غفر الله لنا ولهم)، وأنا سامحتهم لوجه الله، ولكن لولا أنها تعليقات تنم عن عصبية قبلية منهي عنها لما كتبت هذه المنشورأصلا، وللأسف هؤلاء الإخوة طلاب علم يعلمون أن الإسلام جعل العصبية القبيلية والعرقية: جاهلية! وأن التفاضل هو بالتقوى والعمل الصالح فقط كما قال تعالى : ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ ‌شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞﵞ [الحجرات: 13] 

والغريب أكثر أنه هؤلاء الإخوة أنكروا علي شيئا لم أتطرق إليه أصلا، بل تجنبت أن أذكر أن حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذات أغلبية كردية! وإنما ذكرت عوضا عن ذلك أن قاطني هذين الحيين هم أهلنا ! ولماذا فعلت ذلك؟ ليس للابتعاد عن الطائفية والعرقية فحسب ولكن لأن أبغض شيء إلى قلبي هو النعرات العرقية والطائفية.

 وأذكر أننا حين كنا في المدرسة على زمن النظام الأسدي نكره مادة القومية بشدة مع أنها تمجد القومية العربية الذي أنا عربي منها وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عربي بل هو سيد العرب والعجم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نفّر من العصبية القبلية قائلا (دعوها فإنها منتنة) كما في حديث الشيخين[2]، وفي حديث أحمد  «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى». وقال في حديث مسلم (ومن ‌أبطا ‌به ‌عمله لم يسرع به نسبه) ويروى في كتب التفسير حديث « يا بني هاشم لا يأتيني ‌الناس ‌بأعمالهم وتأتوني ‌بأنسابكم» ولعل هذا أصله ما في صحيح مسلم بلفظ (يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا. ‌سلوني ‌من ‌مالي ‌ما ‌شئتم).

 طبعا هذا كله لا يحرِّم الانتساب إلى الأعراق والقبائل ولا يلغيها وإلا فكيف يعرف الناس بعضهم إلا بأسمائهم وأنسابهم ولذا قال تعالى (لتعارفوا) وإنما المحذور هو التفاخر بالقبائل والتعالي بالأعراق والانتصار لها ظالمة أو مظلومة فهذه جاهلية حيث قال قائلهم:

 وهل ‌أنا ‌إلا ‌من ‌غزية إن غوت … غويت وإن ترشد غزية أرشد

ورحم الله أستاذنا د. البوطي مع أنه كردي الأصل ولكنه رفض تحويل قوميته إلى أداة للتعالي أو الانفصال عن الأوطان، وهاجم من يوظفها في خدمة أعداء الأمة. وكان يشدّد على أن الانتماء الإسلامي هو الأصل الجامع، وأن القومية لا تُعارضه إذا بقيت في إطار الاعتزاز المشروع دون تعصب أو انفصال[3]. بل هو قال بالحرف كلمة نقمها عليه كثير من إخواننا الأكراد أنفسهم: أنا أضع كرديتي تحت قدمي عند قضية الانفصال أو الخيانة[4] ، هذا مع أن د. البوطي  هو نفسه كردي كما سبق ولكنه لا يوظفها لخدمة الأعداء والانفصال عن الوطن، ولا يفخر بها وإنما يفخر بالإسلام وباللغة العربية لأنها لغة القرآن[5].

والحاصل أن الأكراد هم مكوّن أصيل ليس في سوريا وفي المنطقة فحسب بل في تاريخ الإسلام برمته فهم أهلنا وإخوتنا وفيهم أصدقاء أعزاء لنا وزملاء بل فيهم مشياخنا وعلمائنا وقادتنا عبر التاريخ مثل صلاح الدين وغيره، ولهم كافة حقوقهم المشروعة في سوريا وغيرها، ولا يجوز لأحد أن يظلمهم، ولا أقبل بأي ظلم وقع عليهم ولا على غيرهم لحديث مسلم “يا عبادي، إني حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا “.

 ولكن لستُ مع الحركات الاستبدادية والانفصالية والشيوعية منهم مثل “قسد” وغيرها ولا أسلّم أصلا أن هؤلاء يمثلون الشعب الكردي الأصيل، نعم هم ربما يستغلون القومية الكردية لأهداف سياسية انفصالية مشبوهة تماما كما استغل الأسد القومية العربية زورا وبهتانا لأهداف سياسية قذرة، والأمثلة كثيرة لا داعي لبسطها.

وليس معنى أني ضد “قسد” أني ضد أهلنا الأكراد جميعا كما فهم هؤلاء الإخوة، بل هذه تسمى مغالطة التعميم وقلب الجزئي إلى كلي! وهذه يقع فيها الوهابية الذين ننكر عليهم جميعا، فما بال هؤلاء الإخوة يوافقونهم من حيث لا يشعرون؟! أصلا هكذا كان يفعل بشار الأسد مع شعبه فمن لا يؤيده يعتبره ضد سوريا! بل ضد الوطن العربي!! ويعتبره خائنا صهيونيا يستحل دمه!! وبالمناسبة الصهاينة أيضا يعتبرون من لا يؤيد إسرائيل معاديا للسامية وهكذا … فتأمل هذا المنطق الأعوج.

 والعجيب أن أحد هؤلاء الذين علقوا بعبارات مسيئة قال معلقا: “كلنا قسد”، يعني هو يحب (قسد) وهو حر في ذلك، ولكن هو يجبرني بذلك على تأييد قسد وإلا فأنا سأكون ضد الأكراد عنده! وهذا مما تضحك منه الثكلى لأن قسد هي أصلا اختصار لعبارة “قوات سوريا الديمقراطية”، فهل من الديمقراطية أن ترغمني على تأييد حركة سياسية أو حزب عسكري؟! وليس هذا فحسب بل تجعلني مبغضبا لكل العرق الذي تنتمي إليه تلك الحركة أو الحزب إن لم أصطف معهم؟

 إذا كان جائزا في الديمقراطية فأنا سأرفع عكس هذا الشعار فأقول (كلنا ضد قسد) وأجبرك وأجبر الناس أجمعين على رفعه أيضا بل أجعل من لا يرفعه مبغضا للعرب كلهم الذين أنتمي إليهم بل مبغضا للنبي العربي صلى الله عليه وسلم؟ فهل هذا يرضيك ؟! وهل هذا من المنطق أو من الشرع في شيء؟!

وهل أنا أجبرتك على حب الرئيس أحمد الشرع والنظام السوري الجديد الذي تشتمه؟ أنت لا تحبه ولا يعجبك أنت حر، ولكن أنا يعجبني وهذا رأيي فلا تصادر عليه وأصادر عليك، ثم من قال أن “قسد” هي حركة كردية محضة ؟ قسد نفسها تقول نحن لسنا أكراد فقط بل فينا عرب وأعراق أخرى؟ فهل أنت ملكي أكثر الملك؟!

 فرجاء لا أحد يناكفني من أجل القوميات والعرقيات فهو أمر لا يساوي عندي شيئا فأنا بحمد الله معي جنسية تركية وقومية عربية ولكن لا أفخر بأي منهما وإنما أفخر بإسلامي وعملي الصالح إن تقبله الله وهذا ما أرجوه، وكما قال الشاعر وهو من شواهد الكتاب لسيبويه رحمه الله:

أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ *** إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ.

تكفينا إخوة الإسلام كما قال تعالى: وقال تعالى إنما المؤمنون إخوة ، ثم أنا أصلا عاهدت نفسي من سنوات أن لا أتكلم في القضايا السياسة المحضة ليس لأن الدين لا سياسة فيه؛ بل لأني أولا: لا أفهم في السياسة المعاصرة التي لا تعرف إلا الخبث والمكر غالبا، وهذا ما لا أحسنه بحمد الله، وإنما أعرف السياسة الشرعية التي قرأتها في كتب الفقه واستمتعت بها،، ثانيا: لما تثيره السياسة من حساسيات كما ترون، ثالثا: وهو الأهم: لأنه لا وقت عندي لأضيعه في المناكفات السياسية وأنا أصلا نادم على تفريغ ساعات لكتابة هذا المنشور والذي قبله ولكن عسى أن يكون فيهما نفع لمن يشاء الله له ذلك، رابعا: لدي بعض التغريدات السياسية القصيرة على حسابي على التويتر، وهذا رابطها لمن أراد أن يتابعها.  https://x.com/DrWaleed1975
وفي الختام نستميحكم عذرا على الإطالة ولكم جميعا تحياتي


[1]  انظر السابق:

[2]  «صحيح البخاري» (4/ 1863 ت البغا): «سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما هذا). فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (‌دعوها ‌فإنها ‌منتنة)»

[3] •        ومما يدل على هذا الموقف للدكتور البوطي رحمه الله :
محاضراته عن وحدة الأمة الإسلامية: كان يكرر أن الإسلام هو الرابط الجامع، وأن القوميات (ومنها الكردية) لا تُعارضه إذا بقيت في إطار الاعتزاز المشروع.

• مقاله الشهير “رسالة مفتوحة إلى الأكراد (البارتيين)”: وهو نص مكتوب عام 2003، وفيه يصرّح باعتزازه بأصوله الكردية، مع رفضه استغلالها في العمالة أو الانفصال.

•           لقاءات تلفزيونية: في بعض مقابلاته على القنوات السورية (مثل قناة الإيمان وقناة نور الشام)، كان يذكر أصوله الكردية ضمن حديثه عن سيرته، لكنه يربطها دائمًا بالانتماء الإسلامي

[4]  انظر:

(2) الشيخ البوطي يُهين الأكراد ويضع نسبته تحت قدمه – فما سر الخلاف مع أبناء قوميته !! – YouTube

[5]  انظر:

(2) البوطي كردي الأصل – YouTube

السابق
إذا احتج عليك الوهابي بأقوال الرجال وأخذ بالتقليد/ أو أصول الوهابية العشرة التي لا بد أن يخالفها الوهابي ، ومنها نبذ التقليد لآراء الرجال
التالي
إذا ارتكب الوهابي التأويل وقال بالمجاز أو خرج عن ظاهر بعض الآيات والأحاديث / أو أصول الوهابية العشرة التي لا بد أن يخالفها الوهابي ، ومنها الأخذ بالظاهر وعدم التأويل مطلقا لأن التأويل تحريف والمجاز طاغوت عنده