أطلب من الحمايدة أن لا يلف ويدور وأن يردّ على هذا المنشور بالتفصيل والتعليل العلمي إن كان كما يدعي أهلا للبحث والنظر.
المقطع الذي ذكر فيه الحمايدة العلامة الطوفي بالتعظيم والإجلال موجودٌ وكان في سياق كلامه على الكتُب الأصولية الحنبلية ولم يشر فيه لا من بعيد ولا من قريب إلى أن كتاب الإشارات الإلهية للعلامة الطوفي كتاب مشحون بالمباحث والعقائد الكلامية التي يكفّر بها الحمايدة أئمة الإسلام بلا حياء ولا استحياء على عادة من أعماه اللهُ وأذهب بصيرَتَهُ.
وعندما نبهنا على ذلك خرج يتباكى ويقول: كتاب الإشارات الإلهية مشتمل على المباحث الأصولية…
وهل مطلوبنا يا تكفيري أنه مشتمل على مباحث أصولية؟ بل المطلوب الذي تتعامى عنه أنه كتاب وُضع أصالةً لاستخراج العقائد الإيمانية السُّنية التي تسميها أنت أرسطية، وإيراده للقواعد والمباحث الأصولية لأنها الآلة المعتبرة في ذلك الاستخراج، وكل من اطلع على الكتاب وقرأه يدرك ذلك ضرورةً.
فإذًا الحقيقة الجليلة التي تريد أن تتهرب منها يا الحمايدة هي أن كتاب الإشارات الأصولية كتاب مليء بالمباحث الكلامية يبين فيه العلامة الطوفي كيف تُستنبط العقائد السُّنية من الكتاب العزيز، وما علم أصول الفقه في ذلك إلا آلة لذلك الاستنباط.، ومن العادي أن يتكلم فيه على مباحث فقهية وغير ذلك مستعملا الآلة الأصولية لاشتمال الآيات على ذلك.
لكن الحقيقة التي تتهرب منها هي أن قواعد عقائد العلامة الطوفي لا تختلف عن قواعد عقائد أئمة أهل السنة الأشاعرة الذين تصفهم بالزنادقة، كبرتْ كلمةً تخرجُ من فِيكَ.. فلماذا تعظم الطوفي وتجله والحاصل أنه عندك لا يمكن أن يكون إلا زنديقا كافرًا؟؟ حاشاه وحاشاهم.
والآن سأذكر مقاطع من كلام العلامة الطوفيُّ تبيّنُ أن الحمايدة يلزمُهُ تكفير الطوفي كما كفر الغزالي والباقلاني وهلم جرا.
قال الطوفيُّ: علمُ الكلامِ محمودٌ باعتبار استعمالهِ بتحقيق الحقّ وإبطال الباطل. (الإشارات، ص14) وهو قول أهل السنة الأشاعرة، وبينما عند الحمادية وشيوخه التكفيريين علمُ الكلامِ كله زندقة.
عندما تكلم العلامة الطوفيُّ عن تخصيص العام ذكر من المخصصات العقلَ، في نحو قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الزمر:62 قال: خصّ بالعقل ذاتُه عز وجل وصفاته القائمة بها. (الإشارات، ص28) وهذا قول أهل السنة الأشاعرة في إبطالهم حدوث صفات الله تعالى، وعند الحمايدة ومقلَّديه هذا كلام أرسطو، وسيظهر أثر قاعدة الطوفي في تخصيص النقل بالعقل على طول كتابه.
وفي طالعة الإشارات في قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}[الفاتحة:2] يستدلّ العلامة الطوفيُّ بدليل متكلمي أهل السنة الأشاعرة العقلي على وجود الله تعالى المبني على استحالة الدور والتسلسل.. (الإشارات، ص31) وهذا عند الحمايدة أصل الكفر والزندقة، فالطوفي عنده كافر زنديق.
وقدَّمَ العلامةُ الطوفيُّ في إشارة قوله تعالى: {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم}[الفاتحة:3] القولَ بأن الرحمة صفة فعلية بمعنى الإحسان إلى الخلق، قال: والإحسانُ مخلوقٌ، والمخلوقُ لا يقومُ بذاته عز وجل لاستحالةِ قيام الحادث بالقديم. (الإشارات، ص32) وهذا الكلام عين الزندقة والكفر عند الحمايدة وجماعته التكفيرية لأنه كلام المتكلِّمين المعطلة، فإن الرحمة عندهم صفة حادثة تقوم بذات الله تعالى عن قولهم لا أول لآحادها.
والصاعقة على رأس الحمايدة هي أن العلامة الطوفي يرى أنه لا بأس بتعلم علماء الإسلام السحرَ لينفعوا الناس به بأن يبطلوا عنهم سحر السحرة، أو ليميزوا بينه وبين غيره من العلوم المشتبهة به كالسيمياء والكيمياء، بل قال: ذهب بعضهم إلى وجوب تعلمه. وعلّل ذلك بالتفصيل دون اعتراض. (الإشارات، ص63) فيلزمك يا الحمايدة أن تكفر الطوفي لزوما بينا خصوصا إذا استحضرنا ما فعلتَ بتكفيرك لحجة الإسلام الغزالي.
والصاعقة الأخرى على رأس الحمايدة ــ وكتاب الإشارات الإلهية كله صواعق على رأسه التكفيري ـ قولُ العلامة الطوفي في قوله تعالى: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}[البقرة:164]: إشارةٌ إلى مشروعية النظر العقليّ وإلى شرف علم الأصول ـ يعني علم الكلام ـ والنظر فيها بصحيح المعقول لأنه عز وجل إنما نبه على الاستدلال بهذه الآيات من يعقل لشرف العقل وأثره وتصرفه، ولم يقل: لآيات لقومٍ ينقلون؛ لما لم يكن النقلُ المجرَّدُ وافيا بالغرضِ في هذا المقام. (الإشارات، ص74) وهذا الكلام عند الحمايدة وجماعته التكفيرية زندقة لأنه تحقير للنقل وتقديم للعقل عليه.
وقال في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ}[البقرة:258] مقررا البرهان الخليليَّ: إنك يا نمروذ لا تحيي ولا تميت، والربُّ حقيقةً هو من يحيي ويميتُ، فأنت لستَ بربٍّ، وهذا قياسٌ من الشكل الثاني. (الإشارات، ص106) أليس هذا منطق أرسطو الذي تكفر به.
وعندما ردَّ العلامة الطوفيُّ على شرك النصارى قال في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ}[النساء:171]: أي: من كلِّ الجهات، لا تعدّد ولا انقسامَ له بوجهٍ. (الإشات، ص196) وهذا عند الحمايدة توحيد الزنادقة المتكلمين كما يزعمون.
وقال في تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}[الأنعام:13]: فيه إشارةٌ إلى دليل حدوث العالَمِ، وتقريرُه أن كل ما اشتمل عليه اللل والنهارُ فهو إما ساكنٌ وإما متحركٌ، وكل ما كان إما ساكنا وإما متحركا فهو حادثٌ، فكل ما اشتمل عليه الليلُ والنهار حادثٌ. (افشارات، ص236) وهذا عند الحمادية وجماعته الضالة عين كلام الجهمية الزنادقة الذين يستدلون بدليل حدوث الأعراض على حدوث الأجْرَام، فيلزمُكَ يا الحمادية لزوما بينا أن تزندق العلامة الطوفيَّ لاعتماده هذا الدليل على حدوث العالَمِ وقِدَمِ ذات الله تعالى وصفاته.
وقال العلامة الطوفيُّ الحنبليُّ (ت716هـ) بَعْد تَقْرِيرِهِ بُرْهَانَ حُدُوثِ العالَمِ مِنْ قَوْلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لا أُحِبُّ الآفِلِين}[الأنعام: 176] عَلَى طَرِيقَةِ مُتَكلِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةِ وَهِيَ الاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ الأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الأَجْرَامِ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ العَامَّةُ فِي إِثْبَاتِ حُدُوثِ العَالَمِ وَقِدَمِ الصَّانِعِ، وَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَقَامِهِ هَذَا النَّظَرِيِّ، وَلَقَدْ أُوتِيَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، وَمُتَكَلِّمُو الإِسْلَامِ تلاميذُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَهِيَ مِنْ أَيْسَرِ الطُّرُقِ وَأَحْسَنِهَا، وَالرُّشْدُ الإِبْرَاهِيمِيُّ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، وَنُورُ بُرْهَانِهَا سَاطِعٌ بَاهِرٌ. (الإشارات الإلهية، ص253) وهذا التقرير كفرٌ وزندقةٌ بلا توقف عند الحمايدة وجماعته التكفيرية.
وهكذا لو ذهبتُ أتتبع لاستخرجتُ من كتاب الإشارات الإلهية للعلامة الطوفي مما فيه من استنباطات عقدية كلامية ما لا تحصى، وهي على نمط ما يكفر به الحمايدةُ أئمةَ أهل السنة الأشاعرة.
فننتظر منك يا الحمايدة إن كان فيك ذرة فهم وعقل وإنصاف أن تتكلم على كتاب الإشارات للعلامة الطوفي على وجه الخصوص على ما فيه من هذه العقائد الكلامية التي تهدمُ الضلال الذي تبنيته لا سيما ما جعلته مفردا في الصورة، وأن تبين حكمَكَ في العلامة الطوفي أهوَ عندك كافرٌ زنديق لأنه يقول بنفس مقالات وعقائد وأدلة من تزندقهم وتكفرهم، أم ستعذره بجهله وتقليده للمتكلمين؟ أم ماذا ستقول لترقع منهجهم المسموم الحاقد البغيض.