وقال شيخ الوهابية صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: ((وفرق ما بين التمثيل وبين التشبيه: فالتمثيل: معناه المساواة: هذا مثل هذا؛ يعني: يساويه في صفة أو صفات. وأما التشبيه فهو من التشابه، وقد يكون كاملا، فيكون تمثيلا، وقد يكون ناقصا في كل المعنى أو في أصل المعنى…فإذا إذا قيل: لا نشبه، فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى، يعني: التشابه في المعنى. لأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابهة في المعنى، ولكن ليس مشابهة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل. فلهذا لا يطلق النفي للتشبيه، لا نقول: التشبيه منتف مطلقا، كما يقوله من لا يحسن، بل يقال: التمثيل منتف مطلقا. أما التشبيه، فنقول: التشبيه منتف؛ فالله لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء. وينصرف هذا النفي للتشبيه في الكيفية أو في تمام المعنى في كماله))(1)؟!
وهذا الكلام نص مهم يشرح النظرية التيمية في (التشبيه!) و(التجسيم!) في أبهى صورها؟!
وتأمل قول الوهابي:
(أ) ((فإذا إذا قيل: لا نشبه، فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى)): إذا فالتيمية يثبتون (التشابه!) بين صفات الخالق وصفات المخلوق في أصل المعنى أي: في معنى اللفظ من ناحية الوضع اللغوي؟!، فأصل معنى (اليد!) في لغة العرب هي: (الأداة!) و(العضو!) و(الجارحة!) أي: (الجسم!) ف: (التشابه!) إذا: واقع في قدر مشترك من (الجسمية!)؟!
(ب) ((يعني: التشابه في المعنى. لأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابهة في المعنى)): وهذا أيضا صريح في قولهم ب: (التشبيه!) في معاني (الجسمية!) في حق ربهم؟! وكل هذا فيه مناقضة صريحة لعقيدة أئمة الإسلام كما نقلها عنهم الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة التي سارت بها الركبان، حيث نص فيها بقوله: ((ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر))؟!
(ج) ((ولكن ليس مشابهة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل)): إذا وكما سبق بيانه، ف: (التشبيه!) المنفي عن الله عند القوم هو (المشابهة!) في كل وجوه (الجسمية!) أي و بالتعبير الرياضي: إثبات (مشابهة!) الخالق للمخلوق بنسبة: )100%)؟! وهذا هو: التمثيل المنفي عن الله؟!، بينما يتوجب لزاما إثبات نسبة ما )؟%) من (المشابهة!) بين ذات الواجب وبين ذات الممكن، تعكس هذه النسبة القدر المشترك من (الجسمية!) في كلا الذاتين؟!
فأصل معنى اليد عند الإنسان هو ذاته أصل معنى اليد في حقه تعالى أي: (الجارحة!) و(العضو!) و(الأداة!)، فهذا هو مقصود القوم من إثبات قدر مشترك من معاني (الجسمية!) بين يد الخالق مثلا ويد المخلوق؟!
بينما يقع التباين في (العوارض!)، وهذا هو مقصود الوهابي من نفي (المشابهة!) في تمام المعنى وفي الكيفية، فمن تمام معنى اليد عند المخلوق أنها من شحم ولحم ودم وتقبل الانفصال والانفكاك عن الذات، وكذلك شكلها وهيئتها كذا وكذا؟!، فالوهابي ينفي (المشابهة!) في هذه (العوارض!) بينما يتفانى في إثبات أصل (الجسمية!) و(الحجمية!) في حق ربه؟!
وقال شيخ الوهابية عبد الرحمن البراك: ((فالنافي لأسماء الله وصفاته إن اعتمد في نفيه على مجرد نفي التشبيه؛ أي: أنه يزعم أن إثباتها تشبيه، فيقال له: إن أردت أن إثبات الصفات لله تعالى يلزم منه تشابه الخالق والمخلوق من جميع الوجوه -أي: التمثيل-؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل هو باطل، ولم يقل بذلك أحد. وإن أردت بالتشبيه: المشابهة من وجه دون وجه، أو المشاركة في الاسم؛ فإن هذا المعنى لا يصح نفيه، وليس من التشبيه المنفي عن الله تعالى))(2)؟! وهذا تأكيد أيضا لإثباتهم (المشابهة!) في (الجسمية!) بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق من بعض الوجوه؟!
وقال الوهابي عبد العزيز الراجحي حول حديث الصورة: ((ففي الحديث إثبات الصورة لله عز وجل، وهو يقتضي المشابهة في مطلق الصورة …وهذه المشابهة بين صورة الله وصورة آدم هي مشابهة في مطلق الصورة، وهي زائدة عن المشابهة بين صفات الله وصفات المخلوق عند القطع عن الإضافة والتخصيص؛ لأن تلك مشابهة في الصورة والذهن، وهذا نوع من المشابهة في الصورة لا تقتضي المشابهة في الجنس والمقدار، ألا ترى أن صورة القمر في الماء تشبه القمر في مطلق الصورة مع التفاوت العظيم بينها وبين القمر في الجنس والمقدار، فالمعنى أن هناك تشابها بين صفات الله وصفات خلقه عند القطع عن الإضافة والتخصيص…فلا بد من إثبات نوع من المشابهة بين الخالق والمخلوق عند القطع عن الإضافة والاختصاص؛ ولهذا لما قالت الجهمية كما في الرد على الزنادقة: إن الله تعالى لا يشبه المخلوق بوجه من وجوه المشابهة، قال الإمام أحمد: #كفرتم، قالوا: كيف؟ قال: أنكرتم وجود الله؛ لأنكم لم تثبتوا نوعا من المشابهة، وهي المشابهة عند القطع عن الإضافة والاختصاص، فالجهمية ينكرون وجود الله ولكنهم في ظاهر قولهم ينزهونه…ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وقيل: الضمير لله، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه: “على صورة الرحمن”، والمراد بالصورة: “الصفة”، والمعنى أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء” وهذا خطأ، وقد ذكر شيخ الإسلام الرد عليه، فمعلوم أن آدم له صفات وأن الله له صفات، والمراد إثبات نوع من المشابهة، وهي المشابهة في الصورة))(3)؟!
وتأمل رفض الوهابي لقول الحافظ: ((وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء))؟! ثم انظر إلى قوله: ((وهذا نوع من المشابهة في الصورة لا تقتضي المشابهة في الجنس والمقدار)) فالصورة لها (جنس!) و(مقدار!) أي: (حجم!)؟! فربهم مقدر ب: (حجم!) هائل لا يشبه في سعة مقداره (حجمه!) مقدار (حجم!) المخلوقات؟! ثم ختم بقوله: ((والمراد إثبات نوع من المشابهة، وهي المشابهة في الصورة)) وهذا صريح في إثبات (المشابهة!) في (الشكل!) و(الهيئة!)؟!
ولكن الألباني يناقض أصول عقيدته ويخالف التيمية في هذا الأصل الأصيل، حيث يقول: ((إن تشبيه الله تعالى بخلقه كفر كله حذر منه سبحانه حيث قال: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾[النحل:73-74] كما نفى سبحانه أي مشابهة بينه وبين أي خلق من مخلوقاته فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾[الشورى:11]))(4)؟! وهذا صريح من الألباني في القول ب: (إكفار!) من يثبت أي نوع (مشابهة!) في الذاتيات أو الصفات بين الخالق والمخلوق؟!
فالألباني وفق تأصيل التيمية في إثبات التشبيه: (معطل!) لوجود الرب فهو واقع في (الكفر!) كما مر معك من كلام الراجحي في (إكفار!) من ينفي مطلق (المشابهة!) بين الخالق والمخلوق ونسب هذا البهتان العظيم لرسالة “الرد على الزنادقة” المنحولة على الإمام أحمد بن حنبل كما تجده في كلام الحافظ الذهبي في السير وابن الوزير اليماني في العواصم، وبدورهم: فالتيمية وفق كلام الألباني: (مشبهة!) واقعون في (الكفر!) بإثباتهم نوع (مشابهة!) بين الخالق والمخلوق؟!
وقال ابن العثيمين مخاطبا مخالفيه في مسألة الصفات: ((أن نقول لهم: لماذا فررتم عن تفسيرها باليد الحقيقية؟ فإذا قالوا: لأن اليد جارحة، والله منزه عن الجوارح. نقول: فصلوا لنا الجارحة هذه، فالجارحة لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنسبة لله عز وجل، فماذا تريدون بالجارحة التي توصلتم بنفيها إلى نفي ما أثبت الله لنفسه؟ أتريدون بالجارحة أنه سبحانه وتعالى يكتب بها، ويعمل بها ليكسب؟ أم تريدون بالجارحة أنه يأخذ بها؟ إن أرادوا الأول، هو: باطل، وإن أرادو الثاني فهو حق))(5)؟! وهذا نص أيضا في حمل القوم الاضافات الموهمة للتشبيه على ظاهرها اللغوي المعروف في حق المخلوقات فالمراد الحقيقة اللغوية لأجل هذا حمل ابن العثيمين اليد في حقه تعالى على (الجارحة!) التي يأخذ أي: يعمل بها جل وعز؟!
ويقول صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: ((فلا نقول: اليدان جارحتان، ولا نقول: اليدان كأيدينا، ونحو ذلك مما فيه مجاوزة، اليد معروفة كل يعقل معنى اليد؛ لكن لا تشبه يد الرحمن عز وجل بيد عباده))(6)؟! فإذا كانت اليد معروفة عند الكل فهي حتما: (الجارحة!) و(العضو!) و(الأداة!) التي لها (صورة!) ما أي: (الجسم!)، فالرجل يثبت المعنى المعروف من اليد ويتظاهر فقط بتحاشي إطلاق اللفظ؟!
وقال أيضا: ((وقوله [الحديث]: “لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟” يعني: تطلب المزيد أو تسأل عن ذلك “حتى يضع رب العزة فيها قدمه”، وقوله هنا: “يضع” يدل -كما سبق أن بيناه- على أن المراد من “قدمه” القدم المعروفة؛ لأنها هي التي توصف بالوضع))(7)؟! والقدم (المعروفة!) هي: (الجارحة!) أي: (الجسم!)؟!
وقال شيخ الوهابية ابن جبرين مناقشا مخالفه في إثبات الوجه لله، ما نصه: ((ويفسرونه [الوجه] بالذات، إذا جاءتهم الآيات التي فيها إثبات الوجه قالوا: المراد الذات، قال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن:27] أي: ذاته، ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:88] أي: ذاته؟ الجواب: إن هذا وإن كان صحيحا في اللغة؛ أنه يطلق الجزء على الكل لكن لا شك أنها دالة على إثبات صفة الوجه، وأنه جزء من الذات، فإن النص على الوجه يدل على ثبوته، والذات تابعة للوجه))(8)؟! وتأمل قوله: ((وأنه جزء من الذات)( فهو صريح في اعتقاده (التجزئة!) في حق ربه؟!
وفي سؤال رفع لابن الجبرين في ثنايا شرحه على “لمعة الاعتقاد”، جاء فيه: ((هل يصح أن يقال: إن العينين في الوجه لله -تعالى- وأن الأصابع في اليد، وهكذا أم هذا من التشبيه؟)) فأجاب: ((لم يرد في ذلك ما يعتمد عليه، ولكن بالنسبة للأصابع ورد الحديث الذي فيه أن ذلك اليهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وأشار بيده، أشار بأصابعه، وقال: “إنا وجدنا في كتبنا أن الله يضع السماوات على ذه والأراضين على ذه والجبال على ذه والمياه والبحار على ذه والمخلوقات على ذه وكل ذلك يشير إلى أصابعه، وأن النبي -صلى الله عليه [وآله] وسلم- قرأ بعد ذلك الآية: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ وضحك تصديقا لقول الحبر وضحك” فإذا أقره على ذلك أفاد بأن الأصابع في اليد، ولكن مع ذلك لا يلزم أن تكون مثل أصابع المخلوقين في أناملها وفي طولها وفي كذا وكذا، بل إنما فيه إثبات اليد وفيه إثبات الأصابع فيها))
وتأمل قول الرجل: ((الأصابع في اليد)) ففيه تصريح بأن يد ربه (مركبة!) من الأصابع، فالأصابع (جزء!) من يد الخالق؟!، وهذا قول ب: (التركيب!) و(التبعيض!) و(التجزي!) في حقه جل وعز، وقياس واضح على جارحة المخلوق؟!، ولينظر إلى قوله أيضا عن أصابع ربه: ((لا يلزم أن تكون مثل أصابع المخلوقين في أناملها وفي طولها وفي كذا وكذا)) فهو لا ينفي عن ربه ثبوت جسمية (الطول!) و(العرض!) و…الخ في واقع الأمر، وإنما ينفي فقط أن تكون مثل أصابع المخلوقين في طولها و…الخ؟!، وهذا (تجسيم!) واضح؟!
وقال الألباني في معرض حديثه على حديث الصورة: ((…ذلك هو حديث أبي هريرة في صحيح البخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: “إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعا” في صحيح البخاري، طول من؟، هل رب العالمين من صفاته أن له طولا وعرضا؟! حاشا لله، وإنما هذا الحديث صريح بأن مرجع الضمير في الحديث الأول الصحيح: “إن الله خلق آدم على صورته” أي: صورة آدم…))(9).
وتأمل كيف ربط الألباني بين لزومية إثبات جسمية (الأبعاد!) من (طول!) و(عرض!) و(عمق!) أي: (الحجم!)، وبين (الصورة!) لمن يقول بإثباتها في حق ربه؟!، وما هذا إلا لكونهما لا ينفكان. ونفي الرجل هذه اللوازم بقوله: ((حاشا لله)) صريح في نفي أصل (الجسمية!) عنه جل وعز، ولا يخفى ما في هذا النفي من نسف للعقيدة التيمية من أصولها ووقوع تناقض فاحش في عقيدة الألباني نفسه؟!
يتبع بإذن الله تعالى…
=========
(1) شرح الطحاوية دار المودة للنشر والتوزيع-المنصورة شرح العقيدة الطحاوية، شرحها الدكتور صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ لوزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية الدكتور صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ (1/281)، دار المودة للنشر والتوزيع-المنصورة، الطبعة الأولى:1431ه-2011م
(2) شرح العقيدة التدمرية لعبد الرحمن بن ناصر البراك (ص: 390)، دار التدمرية، الطبعة الأولى: 1432ه-2011م
(3) منحة الملك الجليل شرح صحيح محمد بن إسماعيل لعبد العزيز الراجحي (11/8-11)، دار التوحيد للنشر-الرياض، الطبعة الأولى: 1434ه-2013م
(4) التوسل أنواعه وأحكامه للألباني (ص:132-133)، نسقه: محمد عيد العباسي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع: الرياض، الطبعة الأولى: 1421ه-2001م
(5) تعليقات ابن العثيمين على صحيح البخاري (10/254)
(6) شرح الطحاوية للدكتور صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (2/1047)
(7) اللآلىء البهية في شرح العقيدة الواسطية (2/62)، دار العاصمة للنشر والتوزيع: السعودية، الطبعة الأولى: 1431ه-2010م
(8) الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد لابن جبرين (ص:119-120)، دار طيبة للنشر والتوزيع: السعودية، الطبعة الأولى: 1418ه-1997م
(9) سلسلة جامع تراث الألباني في العقيدة (4/797)، صنعه: شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة: اليمن، الطبعة الأولى:1431ه-2010م