عندما يقعُ أدعياءُ السلفية في شراك شباك تحريفهم لعقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ)
صاحب هذا المقطع بعد أن قام بجهدٍ كبير في تحريف عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني أحبطَ كلَّ جهوده بالاعترافِ بأن الإمام مكيا القيرواني (ت437هـ ) كان على عقيدة شيخه ابن أبي زيدٍ، وهذا الخطأ الفادحُ منه دمَّر جميع جهودِهِ التحريفية.
وبيانُ ذلك أن كلَّ عاقلٍ يسلِّمُ أن أعلَم الناس بمقصود الإمام ابن أبي زيدٍ القيرواني بقوله في وصف الله تعالى: “وأنه فوق عرشه المجيدِ بذاتهِ” تلاميذه، وعلى رأسهم الإمام مكيٌّ القيرواني الذي لازمَ ابن أبي زيد صغيرا ورجع إليه كبيرًا، وإذا كانَ كذلك فقد قال الإمام مكيٌّ رضي الله عنه في تفسيره:
ـ (العليُّ) أي: ذو الارتفاع عن شِبْهِ خلقه بقدرته (العَظِيمُ) أي: لاشيء أعظم منه جلالة وهيبةً وسلطانا، ولا يحْسُن أن يكون بمعنى العلوِّ في المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان، تعالى الله عن ذلك، إنما هو علو قدرة وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء. لا يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه. (الهداية، ص 850)
ـ وليس: «علا» في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة، تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا. (الهداية، ص209)
وقال الإمام مكي رحمه الله عن استواء الله تعالى على العرش: قال الإمام مكّيّ: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ جُلُوساً وَلَا حَرَكَةً وَلَا نُقْلَةً، ولكنه استوى على العرش كما شاء، لا يُمَثَّل ذلك، ولا يُحَدُّ، وَلَا يُظَنُّ لَهُ انْتِقَالٌ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الـمُحْدَثَاتِ.
(10/6286)
وقال مكي رحمه الله عن كلام الله تعالى: كلامُه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصِفَةٌ من صفاته كعلمه وقدرته، لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدَّرُ فِيهِ صَوْتٌ وَلَا حُرُوفٌ. (الهداية، ص2398)
وقال مكي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وإليه تُحْشَرون)أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم.(7/4992)
وحتى لا يعتقدَ غبيٌّ أو غويٌّ أن الإمام مكيّا قد حرَّف عقيدة شيخهِ الإمام ابن أبي زيد القيرواني فقد نقل مكيٌّ كلامَ شيخه ابن أبي زيد فقال: والذي يعتقده أهل السُّنة ويقولونه في هذا: إن الله ـ جَلَّ ذِكْرُهُ ـ فَوْقَ سماواته على عَرْشِه، دون أرضه، وأنه في كل مكان بعِلْمِه، وله ـ تعالى ذِكْرُه ـ كرسيٌّ وسع السموات والأرض كما قال جلّ ذكره، وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد. (الهداية، ص 4610)
فظهر جليّا أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني كان يعلمُ تلاميذهُ التنزيهَ عن الجهة الحسية والمكان والحركة، وكان يلقن ذلك التنزيه لأمثال الإمام مكيَ القيرواني، ولا يقول من فيه ذرة عقل أن مكيا كان جاهلا بعقيدة شيخه أو حرفها وهو يرى أنه نقلها في نفس تفسيره، بل لا يدعي ذلك إلا شيطان مارد متناهٍ في الخبث، أو غبيّ جاهل متناه في الحماقة.
ومن أراد معرفة مقصود الإمام ابن أبي زيد القيرواني بقوله بأن الله تعالى فوق عرشه وعلى سماواته فليقرأ ما كتبناه في مقدمة كتاب الإبانة لشيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه.