أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم (ص: 54، بترقيم الشاملة آليا):
أهل السنة والجماعة
أهل السنة والجماعة مصطلح ظهر للدلالة على من كان على منهج السلف الصالح من التمسك بالقرآن والسنن والآثار المروية عن رسول الله ‘ وعن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، ليتميز عن مذاهب المبتدعة وأهل الأهواء.
وإذا أطلق هذا المصطلح في كتب العلماء فالمقصود به الأشاعرة والماتريدية وأصحاب الحديث؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه رسول الله ‘، لم يبدلوا ولم يغيروا كما فعل غيرهم من أهل الزيغ والابتداع.
ولقد وصف رسول الله ‘ الفرقة الناجية بأنهم السواد الأعظم من الأمة، وهذا الوصف منطبق على الأشاعرة والماتريدية وأصحاب الحديث، إذ هم غالب أمة الإسلام، والمنفي عنهم الاجتماع على الضلالة بنص الحديث المشهور (لا تجتمع أمتي على الضلالة) (1).
قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (إتحاف السادة المتقين 2/6):
(اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في لِميّة(2) ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:
الأولى: أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع.
الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي…
الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية) اهـ.
وقال الإمام عضد الدين الإيجي – رحمه الله تعالى – في بيان الفرقة الناجية، بعد أن عدد فرق الهالكين (المواقف ص 430):
(وأما الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي ـ ‘ ـ فيهم “هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي” فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة، ومذهبهم خالٍ من بدع هؤلاء) اهـ.
(1) قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: (وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) المقاصد الحسنة حديث رقم 1288.
(2) أصل هذه الكلمة من قولهم (لِمَ)، والمعنى: أي وإن اختلفوا في سبب ذلك وعلته.
وقال الإمام الجلال الدواني رحمه الله تعالى (شرح العقائد العضدية 1/ 34):
(الفرقة الناجية، وهم الأشاعرة أي التابعون في الأصول للشيخ أبي الحسن… فإن قلت: كيف حكم بأن الفرقة الناجية هم الأشاعرة؟ وكل فرقة تزعم أنها ناجية؟ قلت سياق الحديث مشعر بأنهم – يعني الفرقة الناجية – المعتقدون بما روي عن النبي ‘ وأصحابه، وذلك إنما ينطبق على الأشاعرة، فإنهم متمسكون في عقائدهم بالأحاديث الصحيحة المنقولة عنه ‘ وعن أصحابه، ولا يتجاوزون عن ظواهرها إلا لضرورة، ولا يسترسلون مع عقولهم كالمعتزلة) اهـ.
والاقتصار على الأشاعرة في نصوص الأئمة إنما ذلك لكونهم أغلب أهل السنة، فلا يفهم منه إخراج غيرهم من طوائف أهل السنة من الفرقة الناجية، فمن لم يكن منهم متبعاً للإمام الأشعري فهو موافق له.
وقال العارف بالله الإمام ابن عجيبة(1) رحمه الله تعالى (تفسير الفاتحة الكبير، المسمى بـ ” البحر المديد ” ص607): (أما أهل السنة فهم الأشاعرة ومن تبعهم في اعتقادهم الصحيح، كما هو مقرر في كتب أهل السنة)’اهـ.
قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (طبقات الشافعية 3 / 365):
(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني الفاسي، العلامة المحقق الفهامة البارع المدقق الصوفي الجامع بين الشريعة والحقيقة، وفاته رحمه الله تعالى سنة 1224هـ. (شجرة النور الزكية ص400، وانظر ترجمته في فهرس الفهارس 2/854).
(قال الشيخ الإمام – يعني والده التقي السبكي – فيما يحكيه لنا: ولقد وقفت لبعض المعتزلة على كتاب سماه طبقات المعتزلة، وافتتح بذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ظناً منه أنه – برأه الله منهم – على عقيدتهم. قال: وهذا نهاية في التعصب، فإنما ينسب إلى المرء من مشى على منواله. قلت أنا للشيخ الإمام: ولو تم هذا لهم لكان للأشاعرة أن يعدوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في جملتهم، لأنهم عن عقيدتهما وعقيدة غيرهما من الصحابة فيما يدعون يناضلون، وإياها ينصرون، وعلى حماها يحومون. فتبسم، وقال: أتباع المرء من دان بمذهبه وقال بقوله على سبيل المتابعة والاقتفاء الذي هو أخص من الموافقة، فبين المتابعة والموافقة بون عظيم) اهـ.
وقال الإمام عبدالقاهر البغدادي رحمه الله (الفرق بين الفرق ص 19):
(.. فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة… وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية… فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع…. سائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية – إن ختم الله له بها – ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر….) اهـ.
وقال أيضاً (أصول الدين ص309) بعد أن عدَّدَ أئمة أهل السنة والجماعة في علم الكلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن قال:
(.. ثم بعدهم شيخ النظر وإمام الآفاق في الجدل والتحقيق أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي صار شجاً في حلوق القدرية….. وقد ملأت الدنيا كتبه، وما رزق أحد من المتكلمين من التبع ما قد رزق، لأن جميع أهل الحديث وكل من لم يتمعزل من أهل الرأي على مذهبه) اهـ.
وقال الإمام الزاهد القدوة أبو عمرو الداني(1) رحمه الله تعالى (الرسالة الوافية في معتقد أهل السنة والجماعة ص117): (اعلموا أيدكم الله بتوفيقه وأمدكم بعونه وتسديده، أن قول أهل السنة والجماعة من المسلمين المتقدمين والمتأخرين من أصحاب الحديث والفقهاء والمتكلمين..)
ثم شرع ببيان اعتقاد أهل السنة، وقوله (الفقهاء والمتكلمين) يعني بهم الأشاعرة والماتريدية، ورسالته زاخرة بأدلة التقديس رحمه الله، وتأثره بشيخه وأستاذه شيخ أهل السنة القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله تعالى وبطريقة الإمام الأشعري واضح لا يخفى على من طالع كتبه، بل إن بعض الألفاظ والعبارات هي هي التي استخدمها الإمام الأشعري في بعض كتبه.
وقال حجة المتكلمين الإمام أبو المظفر الإسفراييني – رحمه الله تعالى- (التبصير في الدين ص 111) بعد أن شرح عقيدة أهل السنة: (وأن تعلم أنّ كل من تدين بهذا الدين الذي وصفناه من اعتقاد الفرقة الناجية فهو على الحق وعلى الصراط المستقيم فمن بدّعه فهو مبتدع ومن ضلله فهو ضال ومن كفره فهو كافر) اهـ.
(1) الإمام أبو عمرو الداني أعرف من أن يعرّف، هو الذي يقول فيه الإمام الذهبي رحمه الله: الإمام الحافظ المجوّد المقرئ الحاذق عالم الأندلس. وقال أيضاً: إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات وعلم المصاحف، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو وغير ذلك. ويعرف قديماً بابن الصيرفي، قال عنه ابن بشكوال: كان أحد الأئمة في علم القرآن رواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه.. وله معرفة بالحديث وطرقه وأسماء رجاله ونقلته.. جيّد الضبط من أهل الذكاء والحفظ والتفنن في العلم ديّناً فاضلاً ورعاً سنّيّاً اهـ، توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وأربع مئة ودفن بمقبرة دانية. سير أعلام النبلاء 18/77، الصلة 2/405، الديباج المذهب 2/84.
فانظر يا رعاك الله كيف هي خطورة الأمر، لتعلم استهتار الذين يقعون في أعراض الأشاعرة ويثلبونهم ويضللون عقائدهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى (طبقات الشافعية 3/ 376): (وأبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، ومذهبه مذهب أهل الحق) اهـ.
وناهيك بأبي إسحاق الشيرازي علماً وفقهاً وديانة وورعاً وتقدماً في الدين.
وسئل الإمام ابن حجر الهيتمي – رحمه الله تعالى – عن الإمام أبي الحسن الأشعري والباقلاني وابن فورك وإمام الحرمين والباجي وغيرهم ممن أخذ بمذهب الأشعري، فأجاب:
(هم أئمة الدين وفحول علماء المسلمين، فيجب الاقتداء بهم لقيامهم بنصرة الشريعة وإيضاح المشكلات وردّ شبه أهل الزيغ وبيان ما يجب من الاعتقادات والديانات، لعلمهم بالله وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه…….. والواجب الاعتراف بفضل أولئك الأئمة المذكورين في السؤال وسابقتهم وأنهم من جملة المرادين بقوله ‘ ” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ” فلا يعتقد ضلالتهم إلا أحمق جاهل أو مبتدع زائغ عن الحق، ولا يسبهم إلا فاسق، فينبغي تبصير الجاهل وتأديب الفاسق واستتابة المبتدع) اهـ. (الفتاوى الحديثية ص 205).
وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى (لوامع الأنوار البهية 1 / 73): أهل السنة والجماعة ثلاث فرق:
الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله.
والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ.
وقال الإمام المرتضى الزبيدي – رحمه الله تعالى – (إتحاف السادة المتقين 2 / 6): (إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية) اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر (2 / 86):
(والمراد بأهل السنة هم الفرق الأربعة، المحدثون والصوفية(1) والأشاعرة والماتريدية) اهـ.
ومما يستشهد به في هذا الباب رسالة أبي جعفر الطحاوي -‘رحمه الله – في العقيدة، المسماة بالعقيدة الطحاوية، التي أجمل فيها اعتقاد السلف رضوان الله عليهم، وهي مما أطبقت الأمة عليه وتلقته بالقبول، وما تضمنته هذه العقيدة هو ما يعتقده الأشاعرة، سوى مسائل يسيرة لا تستلزم تضليلاً ولا تفسيقاً.
وقال الإمام العلامة أحمد الدردير – رحمه الله تعالى – في شرحه على منظومته في العقائد المسماة بـ ” خريدة التوحيد ” (ص 194):
(واتبع سبيل الناسكين العلماء) ثم شرح عبارته فقال (جمع عالم وهو العارف بالأحكام الشرعية التي عليها مدار صحة الدين اعتقادية كانت أو عملية والمراد بهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان وسبيلهم منحصر في اعتقاد وعلم وعمل على طبق(2) العلم، وافترق من جاء بعدهم من أئمة الأمة الذين يجب اتباعهم على ثلاث فرق، فرقة نصبت نفسها لبيان الأحكام الشرعية العملية وهم الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين، ولكن لم يستقر من المذاهب المرضية سوى مذاهب الأئمة الأربعة، وفرقة نصبت نفسها للاشتغال ببيان العقائد التي كان عليها السلف وهم الأشعري والماتريدي ومن تبعهما، وفرقة نصبت نفسها للاشتغال بالعمل والمجاهدات على طبق ما ذهب إليه الفرقتان المتقدمتان وهم الإمام أبو القاسم الجنيد ومن تبعه، فهؤلاء الفرق الثلاثة هم خواص الأمة المحمدية ومن عداهم من جميع الفرق على ضلال وإن كان البعض منهم يحكم له بالإسلام فالناجي من كان في عقيدته على طبق ما بينه أهل السنة) اهـ.
(1) المراد بالصوفية من كان على نهج الحق أمثال الجنيد ومعروف الكرخي وبشر الحافي وإبراهيم ابن أدهم وغيرهم من الدَّالِّين على الله ومن جاء بعدهم وسلك مسلكهم باتباع الكتاب والسنة.
(2) أي: وعمل مطابق للعلم.
وقال الإمام العلامة عبد الله بن علوي الحداد رحمه الله تعالى (نيل المرام شرح عقيدة الإسلام للإمام الحداد الصفحة 8):
(اعلم أن مذهب الأشاعرة في الاعتقاد هو ما كان عليه جماهير أمة الإسلام علماؤها ودهماؤها، إذ المنتسبون إليهم والسالكون طريقهم كانوا أئمة أهل العلوم قاطبة على مرّ الأيام والسنين، وهم أئمة علم التوحيد والكلام والتفسير والقراءة والفقه وأصوله والحديث وفنونه والتصوف واللغة والتاريخ) اهـ.
وقال أيضاً رضي الله عنه (رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة ص/67 ـ 68):
(وعليك بتحسين معتقدك وإصلاحه وتقويمه على منهاج الفرقة الناجية، وهي المعروفة من بين سائر الفرق الإسلامية بأهل السنة والجماعة، وهم المتمسكون بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنت إذا نظرت بفهم مستقيم عن قلب سليم في نصوص الكتاب والسنة المتضمنة لعلوم الإيمان، وطالعت سير السلف الصالح من الصحابة والتابعين علمتَ وتحققتَ أن الحق مع الفرقة الموسومة بالأشعرية، نسبة إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله، فقد رتب قواعد عقيدة أهل الحق وحرَّرَ أدلتها، وهي العقيدة التي أجمع عليها الصحابة ومن بعدهم من خيار التابعين، وهي عقيدة أهل الحق من أهل كل زمان ومكان، وهي عقيدة جملة أهل التصوف كما حكى ذلك أبو القاسم القشيري في أول رسالته، وهي بحمد الله عقيدتنا.. وعقيدة أسلافنا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.. والماتريدية كالأشعرية في جميع ما تقدم) اهـ.
وقال العلامة ابن الشطي الحنبلي – رحمه الله تعالى – في شرحه على العقيدة السفارينية (تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، الصفحة / 73):
(قال بعض العلماء هم – يعني الفرقة الناجية – أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية) ثم قال بعد ذلك بأسطر:
(فائدة: أهل السنة والجماعة ثلاث فرق، الأثرية وإمامهم الإمام أحمد رضي الله عنه.
والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.
والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ.
وقال علامة الكويت الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان – رحمه الله تعالى – تعليقا على تقسيم السفاريني لأهل السنة إلى ثلاث فرق:
(فإذا قلت: لفظ الحديث يقتضي عدم التعْدِيَة(1) حيث قال فيه ‘ ” ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان على ما أنا عليه وأصحابي ” فالجواب: أن الثلاث فرق هي فرقة واحدة لأنهم كلهم أهل الحديث، فإن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فإمّا فوضوها وإمّا أوّلوها، وكل منهم أهل حديث، وحينئذ فالثلاث فرقة واحدة، لاقتفائهم الأخبار وانتحالهم الآثار، بخلاف باقي الفرق فإنهم حكّموا العقول وخالفوا المنقول فهم أهل بدعة وضلالة ومخالفة وجهالة والله تعالى أعلم) اهـ. (تبصير القائع ص / 73).
وقال الشيخ العلامة الحنبلي محمد بن علي بن سلوم رحمه الله تعالى في شرحه على العقيدة السفارينية مثل ذلك. (شرح الدرة المضية، الصفحة / 58).
وقال العلامة المواهبي الحنبلي رحمه الله تعالى (العين والأثر ص/53):
(طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) اهـ.
وقال المحدث محمد بن درويش الحوت البيروتي – رحمه الله تعالى – (رسائل في بيان عقائد أهل السنة والجماعة، الصفحة / 77):
(فائدة: المالكية والشافعية أشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، والحنفية ماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وهما إماما أهل السنة والجماعة، والحنابلة أثرية) اهـ.
(1) أي أن لفظ الحديث يقتضي قصر النجاة على فرقة واحدة وعدم تعديته إلى ثلاث فرق.
وقال الإمام العلامة كمال الدين البياضي – رحمه الله تعالى – (إشارات المرام من عبارات الإمام، الصفحة 52):
(إن الفرقة الناجية هم الجماعة الكثيرة المتمسكون بمحكمات الكتاب والسنة في العقائد، فإنه المنطبق لما عليه الرسول ‘ ولما عليه الصحابة لا يتجاوزون عن ظاهرها إلا لضرورة مخالفة قطعي من الدليل النقلي والعقلي، فإن حجج الله تتعاضد ولا تتضاد) اهـ.
ومن نظر بعين المعقول وتجرد للوصول إلى الحق علم يقيناً أنه ليس أحد من الطوائف ينطبق عليه هذا الوصف إلا الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، فهم الذي ملئوا الزمان والمكان، وطبقوا الأرض شهرة وانتشاراً.
قال الإمام عبد القاهر البغدادي – رحمه الله تعالى – (الفرق بين الفرق، 247):
(إن النبي ‘ لمّا ذكر افتراق أمته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية وعن صفتها، فأشار إلى الذين هم على ما عليه هو وأصحابه، ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة رضي الله عنهم غيرَ أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلمي الصفاتية)ثم أخذ رحمه الله يبين وجوه عدم نجاة باقي الفِرَق وضروب انحرافاتهم عن منهج الرسول ‘ وأصحابه، ثم قال:
(وبان من هذا أن المقتدين بالصحابة من يعمل بما قد صحّ بالرواية الصحيحة في أحكامهم وسيرهم، وذلك سنّة أهل السنة دون ذوي البدعة، وصح بصحة ما ذكرناه تحقيق نجاتهم لحكم النبي ‘ بنجاة المقتدين بأصحابه، والحمد لله على ذلك) اهـ.
وقال الإمام ابن حجر الهيتمي – رحمه الله تعالى – (الزواجر عن اقتراف الكبائر 82):
(المراد بالسنة ما عليه إماما أهل السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي..) اهـ.
وقال العلامة طاش كبري زاده – رحمه الله تعالى – (مفتاح السعادة 2 / 33):
(ثم اعلم أن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام – يعني العقائد – رجلان، أحدهما حنفي والآخر شافعي(1)، أما الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمود الماتريدي، إمام الهدى…
وأما الآخر الشافعي فهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين والساعي في حفظ عقائد المسلمين، أبو الحسن الأشعري البصري.. حامي جناب الشرع الشريف من الحديث المفترى، الذي قام في نصرة ملة الإسلام فنصرها نصراً مؤزراً) اهـ.
وعلى الجملة، فإن أقوال علماء الإسلام متفقة على أن الأشاعرة ومن وافقهم في الاعتقاد من طوائف أهل الحق هم الفرقة الناجية، وهم المعنيون بقوله ‘ ” ما أنا عليه وأصحابي ” وهم الوسط بين الفرق المبتدعة، فقد جانبوا أهل الزيغ وابتعدوا عنهم غاية البعد بحيث من رام بعداً عن الضلالة أكثر من بعدهم وقع فيها أو مال إليها.
أقوال الأعلام المعاصرين فى الأشاعرة
لقد أطنبنا بذكر أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين التي تفيد قصر مصطلح أهل السنة والجماعة على الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، وإليك الآن طائفة من نصوص الأعلام المعاصرين ممن سلك مسلك أهل السنة وأشاد بفضلهم:
قال الشيخ الداعية حسن أيوب – حفظه الله تعالى – (تبسيط العقائد الإسلامية 299):
(1) ينازع المالكية في الإمام أبي الحسن ويذكرونه ضمن طبقاتهم، والراجح أنه شافعي، أما المالكي فهو الإمام أبو بكر بن الباقلاني شيخ الأشاعرة. انظر طبقات الشافعية الكبرى 3/352.
(أهل السنة هم أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي ومن سلك طريقهما، وكانوا يسيرون على طريق السلف الصالح في فهم العقائد، وقد جعلوا القرآن الكريم المنهل العذب الذي يلجأون إليه في تعرف عقائدهم فكانوا يفهمون من الآيات القرآنية مسائل العقائد، وما أشبه عليهم منه حاولوا فهمه بما توحيه أساليب اللغة ولا تنكره العقول، فإن تعذر عليهم توقفوا وفوضوا، وقد سمي أتباع أبي الحسن الأشعري بالأشاعرة، وأبي منصور الماتريدي بالماتريدية) اهـ.
وقال الأستاذ الداعية سعيد حوى – رحمه الله تعالى – (جولات في الفقهين الكبير والأكبر ص / 22):
(إن للمسلمين خلال العصور أئمتهم في الاعتقاد وأئمتهم في الفقه وأئمتهم في التصوف والسلوك إلى الله عز وجل، فأئمتهم في الاعتقاد كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي… وهؤلاء وأمثالهم كلٌّ في اختصاصه حيث ثبت النقل عنهم قدَّمَ أصفى فهمٍ للكتاب والسنة، ومن ثم أجمعت الأمة على اعتماد أقوالهم وقبولها في خضم اتجاهات لا تعد ولا تحصى من الاتجاهات الباطلة الزائفة، منها الذي مات ومنها الذي لازال حياً) اهـ.
والشيخ سعيد حوى – رحمه الله تعالى – هنا وفي معظم ما كتب إنما ينقل خلاصة رأي الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى، وهو موافق لما عليه السلف والخلف من تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به سبحانه.
وقال الشيخ سعيد – رحمه الله تعالى – أيضاً (المصدر السابق ص/8):
(وكما وجد في الفقه مؤلفون وكتب، وكما وجد في الفقه أئمة أجمعت الأمة على قبولهم، فكذلك في باب العقائد وجد أئمة أجمعت الأمة على إمامتهم في هذا الشأن كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) اهـ.
وممن أشاد بفضل الأشاعرة من المعاصرين الشيخ الداعية الأستاذ أبو الحسن الندوي (رجال الفكر والدعوة في الإسلام، ص / 137) فقال – رحمه الله تعالى – منوهاً بذكرهم:
(خضع لعلمهم ونفوذهم العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه… وبفضلهم انتقلت قيادة العالم الإسلامي الفكرية وتوجيهه من المعتزلة إلى أهل السنة) اهـ.
وقال أيضا (ص / 133):
(وقد سار الأشعري في طريقه مجاهداً مناضلاً منتجاً…. لا يعبأ بما يقال فيه مؤمناً بأنه هو الطريق الذي ينفع الدين في عصره ويرد إلى الشريعة مهابتها وكرامتها ويحرس للناشئة دينها وعقيدتها، حتى استطاع بعمله المتواصل وشخصيته القوية وعقله الكبير وإخلاصه النادر أن يرد سيل الاعتزال والتفلسف الجارف الذي كان يتهدد الدين، ويثبّت كثيراً من الذين تزلزلت أقدامهم واضطربت عقولهم وعقائدهم، وأن يوجد في أهل السنة ثقة جديدة بعقيدتهم) اهـ.
وقال الشيخ وهبي سليمان غاوجي – حفظه الله تعالى – (أركان الإيمان ص / 7):
(وقد كان أول من كتب في أصول الدين ورد شبهات أهل الزيغ في الاعتقاد الإمام الأعظم أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – بطريقي النقل أو العقل، وتتابع الكاتبون في أصول الدين إلى أن استقرت قواعدها على يدي الإمامين العظيمين أبي منصور الماتريدي وأبي الحسن الأشعري رحمهما الله تعالى) اهـ.
هذا هو شأن الأشاعرة وقدرهم عند المتقدمين والمتأخرين، وهذه هي مكانتهم في التاريخ، فلا ينكر فضلهم وجهادهم إلا مكابر، ومهما بالغ البعض بالانتقاص منهم، وجَحَدَ فضلهم بلسانه، فإنه لا محالة مضطرٌّ إلى علومهم، إذ ما من متعلم أو معلم إلا وهو عالة على ما أثمرته وأنتجته قرائحهم، وسطرته أيديهم، وهل يستغني عالم أو طالب علم عن كتاب فتح الباري – مثلاً – للإمام الحافظ ابن حجر، أو شرح صحيح مسلم للإمام النووي رحمه الله تعالى؟!
بهذه النصوص التي نقلناها عن العلماء والأئمة المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين أصبح جلياّ من المقصود بأهل السنة والجماعة، ومن هي الفرقة الناجية المعنية بالنصوص الشرعية والمخصوصة بالهداية والنجاة، فكيف يسوغ لمنصف بعد كل ذلك إخراج الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة؟!
الكتاب : أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
المؤلف :فضيلة الشيخ حمد السنان- حفظه الله- والشيخ فوزي العنجري حفظه الله
أعده للموسوعة الشاملة :محمود بن سالم الأزهرى