الحلقة السادسة عشر : سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٦):
ضعف الاشتغال بأصول الفقه وأثره:
كان من أهم مواطن الخلل عند شريحة معتبرة من السلفيين ضعف الاشتغال بأصول الفقه، وما ترتب على ذلك من ميل إلى الجمود على ظواهر النصوص، وإهمال مقاصد الشريعة، وضعف الاعتناء بالتعليل الذي هو في الحقيقة جزء أصيل من المنهج السلفي نفسه. فأن أهل السنة يقولون بالحكمة والتعليل، سواء في أفعال الله، أو تعليل الأحكام.
فلهذا كان من المتوقع أن يكون حالهم على العكس من ذلك تمامًا، أي التبحر لفهم لباب الدين وحقيقته وغوامضه، إذ أن أصول الفقه هو عقليات أهل الشريعة.
ومن قرأ كتاب (إعلام الموقعين) لابن القيم علم تبحره في أصول الفقه..
هذا هو حقيقة المنهج السلفي الأصلي، لا المنهج النشوه الذي تم تشويهه في زمن الصحوة.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نضع هذه الملاحظة في سياقها العلمي الصحيح؛ فليس كل اقتصاد في أصول الفقه مذمومًا، وليس كل عدم توسع في المطوّلات الأصولية دليل قصور. فقد عُرف عن طائفة من كبار الأئمة – كالسمعاني، وابن الصلاح، والذهبي، وابن رجب – نوع من التحفظ على التوسع الكلامي في الأصول، ورأوا أن الغلو أن الأصول الممزوج بالمنطق، قد يورث تشقيقًا نظريًا يبعد عن الفقه العملي وروح الشريعة.
وللسمعاني كتاب ينتقد فيه أصحابه من الشافعية بسبب خلطهم أصول الفقه بالكلام.
والحافظ الذهبي صرّح بأن التوسع في أصول الفقه ليس لازما للفقيه المقلد الذي لن يُنشئ حكمًا جديدًا، وأن الانغماس فيها مع بقاء التقليد قد يكون حجة عليه مع التقليد.
وكذلك انتقد ابن رجب والطوفي خلط الأصول بالكلام على طريقة المتأخرين، ورأيا أن هذا المسلك أحدث في العلم ما ليس منه.
وهذا يدل على أن انتقاد المادة الكلامية التي في مطولات الأصول = له أصل معتبر في التراث الإسلامي، وأن السلفية المعاصرة ليست مبتدعة من حيث مجرد عدم التوسع في المطولات.
الإشكال الحقيقي ليس في اقتصاد السلفيين في الأصول، وإنما في الاقتصاد (المُخل جدًا) بمطلب فن الأصول، وهذا ترتب عليه الاكتفاء بنصوص الكتاب والسنة دون فهم لهما، أو دون مراجعة كلام الأصوليين.
وهنا وقع الخلل؛ إذ أدى هذا الضعف إلى نزعة ظاهرية، جعلت بعضهم يقرأ النصوص قراءة حرفية مجردة عن مقاصدها وسياقاتها، وكأن التعليل والحِكمة أمران ثانويان أو مشكوك فيهما، مع أن المنهج السلفي الأصلي قائم على الجمع بين النص والفهم، وبين الظاهر والمعنى، وبين الدليل والحكمة.
ليس هذا فحسب، بل هذا التقصير أثر على فهم منزع الخلاف، فالدارس للأصول بتعمق، سيعرف مواطن موارد كل مذهب وحججه وطريقة تخريجه، وبالتالي= ستنعكس على رؤيته للخلاف ويتسع صدره، وتتسع دائرة العذر.
___
وإذا كان هذا الأثر عند علماء السلفية المعاصرة الذين درسوا من المشايخ المعتبرين ، فإن أثره كان أشد وأقسى عند طلاب جيل الصحوة؛ إذ إن كثيرًا منهم لم يتلق تأصيلا أصوليا أصلاً (اللهم غير الورقات!)
فظهرت عندهم قراءات نصية صلبة بسبب العقل الضيق، فمالوا إلى التبديع والتجريح، وفي بعض الأحيان إلى التسرّع في التكفير، مع غياب الأدوات التي تضبط هذا الباب الخطير.
ومن هنا يمكن فهم كيف نشأت عند بعضهم ظاهرية حديثة: ليست ظاهرية تراثية كظاهرية داود بن علي، أو ابن حزم – فكلاهما كانا من فحول الفقهاء الأصوليين! –
بل هي ظاهرية جديدة قائمة على الجمود على النصوص مع ضعف في قواعد الاستدلال، وانقطاع عن فقه المقاصد، وانعدام لحس التعليل الذي يوازن بين النص والواقع.
مما انعكس أثره على ميادين كثيرة، في مجال الفقه، والمقاصد، وفهم الواقع، فهم منزع الخلاف، التعامل مع الآخر : الهجر، التبديع ، ضيق الأفق، ورفض التطورات العلمية… إلخ
========
إلى هنا أكتفي بما ذكرته من حلقات نقد السلفية المعاصرة – رغم وجود انتقادات أخرى عليهم- لكنني سأكتفي بما سبق ؛ لسببين:
١- أن ما ذكرته هو أهم المآخذ وزبدتها، في ظني (رغم وجود مواضع تحتاج إلى تمثيل و استيعاب، لكن المقام لا يسمح)
٢- حتى أذكر التحليل، وأهم النتائج، ونجيب على سؤال : ما هو سبيل الإصلاح.
وهذا في الحلقات القادمة إن شاء الله.
.====
تتمة :
ومن الخلط كذلك انتقادهم لموقف السلفيين القائل بأن الإصلاح يبدأ من القاعدة لا من الرأس.. (أي من تعليم الناس وتربيتهم لا من الصدام السياسي والمظاهرات) ، وعدّوا ذلك نوعا من السلبية أو الهروب من الواقع
والحق أن هذا النقد يحمل بقايا نزعة سرورية بقيت عندهم من مرحلتهم السابقة؛ وذلك لأن هذا الموقف ليس خاصا بالسلفيين، بل هو موقف كبار المصلحين كمالك بن نبي والزركلي ومحمود شاكر والبشير الإبراهيمي وغيرهم، ومن يقرأ كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي سيجد اتفاقا كبيرا مع هذه الرؤية
نعم يمكن نقد بعض الطوائف السلفية السطحية (كالمداخلة والقطبية) الذين يرون أن مجرد المشاركة السياسية من الشرك الاعتقادي الذي يناقض التوحيد..
أما مجرد الابتعاد عن المظاهرات أو عدم المشاركة السياسية لسبب مصلحي = ليس خطأ في ذاته بل هو خيار إصلاحي له وجاهته التاريخية.
_
وعلى مستوى التعامل مع التراث ظهر فرق آخر بيننا
المابعدية انتقدوا أحمد بن حنبل والشافعي ويحيى بن سعيد، وسمّوا تقريراتهم العقدية تقريرات الجيل الرابع وقالوا إن ما اتفقوا عليه ليس بالضرورة ممثلا للسلف
تقديم الأمر بهذا الإجمال فيه تبسيط مخل ويشبه خطاب بعض الحداثيين في نقد التراث أكثر مما يشبه تحقيقا تراثيا دقيقا يفرق بين طبقات النقل وسياقات كلام الأئمة ومقاصدهم
وكذلك كانت معالجتهم لمسألة الفرقة الناجية مضطربة إذ ردوا الحديث ووقعوا في ظن أن القول بفرقة ناجية يعني أن أكثر المسلمين في النار، وأسموه (الفهم التيمي للحديث) مع أن الأشاعرة يقولون بالفرقة الناجية أيضا !!
ثم تبنوا ما يشبه نسبية الحق، فالقاضي عبد الجبار مثلاً ناجٍ في مسائل، وأحمد بن حنبل ناجٍ في مسائل والعكس صحيح.
وهذه معالجة سطحية جدا، حيث أن الكاتبين يعلمان أن ابن تيمية يحكم على المقالة لا على الأعيان.
هنا لا يظهر الخلاف في النتيجة فقط بل في فهم البناء العقدي للتراث نفسه..
____
ومن جملة الخلط أيضا أنهم جعلوا سبب فشل الثورة واعتصام رابعة هو الفقر في السياسة والعلوم الإنسانية.
مع أن السلفيين أصلاً لم يقودوا الحالة الثورية ، بل الثورة كان فيها الأشعري والسلفي والاخواني والصوفي.. وما الشيخ عماد عفت عنا ببعيد… وما شيخ العمود عنا ببعيد (وكلهم أشاعرة) .
بل كان في هذه الثورات حذاق في العلوم الإنسانية أيضًا، فالدكتور جمال عبد الهادي مثلاً كان استاذا في علم التاريخ.
المقصود أن معالجة الكتاب لموضوع الثورات كان مدفوعًا بتعميم مضلل، حيث حمّل السلفيين وحدهم أخطاء الإسلاميين كلهم!
ثم اعتبر الفشل السياسي = هو فشل سلفي بامتياز، بسبب ما انقدح في الذهن أن الصحوة سلفية المزاج. أو لعله ربط بين مطلق (التدين) وبين (السلفية).. وهو خلل في التحليل كما لا يخفى.
والعجيب أنك حينما تقرأ الكتاب تشعر بالعمق المنهجي بسبب جزالة اللغة والمصطلحات الغربية، رغم أن التحليل يعاني من ضعف في مواضع عديدة
ما سبق كانت نماذج يسيرة في بيان الخلط، وبساطة التشخيص، وإلا فالأمثلة كثيرة.
____
أهم نقطة في الخلاف – في رأيي – هي مساواتهم الضمنية بين الصحوة والسلفية القديمة وهذا خلط شديد الشيوع، لكنه شديد الإشكال.
فكثير ممن تحولوا إلى الأشعرية إنما فعلوا ذلك لأنهم ظنوا أن ما عايشوه زمن الصحوة هو السلفية ذاتها، بينما أنا أفرق بوضوح بين جيل سلفي قديم كابن بدران الدومي، ومحمود شكري الآلوسي وبهجة الأثري والبشير الإبراهيمي، والمعلمي اليماني والشنقيطي وحماد الأنصاري وبين جيل الصحوة خفيف العلم
والتسوية بين الجيلين = ظلم منهجي لا يصدر من باحث منصف.
بل إن كثيرا من كبار الجيل القديم كانوا أمتن وأعلم في أصول الفقه واللغة والبلاغة بل والمنطق والكلام- من كثير من الأشاعرة المعاصرين لهم لأنهم خرجوا من نفس البيئة العلمية ودرسوا نفس الأدوات العقلية
فقد كان حماد الأنصاري -مثلا- يحفظ الكافية وهي المنظومة الأم التي اختصر منها ابن مالك ألفيته
ولقد عرض المستشرقون جائزة كبرى على محمود شكري الآلوسي بسبب تواليفه في آداب العرب لكنه رفض تسلمها من غير المسلمين.. وهذا ثابت في سيرته
ولو تتبعنا علوم هذا الجيل، وبيان فحولتهم العلمية لطال الحديث جدا.
____
المقصود أن المابعدية – رغم ثقافتهم الواسعة – وقعوا في نفس الظن الشعبوي السائد وهو أن الصحوة الإسلامية هي ذاتها السلفية، وأن الدعاة المعاصرين في منزلة العلماء القدامى،، وبسبب ذلك= هدموا السلفية كلها في قالب واحد.
ولو أنهم فككوا المسألة وفرقوا بين الجيلين، وصنعوا تحليلا تاريخيًا لرموز الجيل القديم وميزوه عن جيل الدعاة= لخرجت دراستهم أكثر عمقا وأقرب إلى مقاربة علمية متينة.
_
ومع كل ما سبق فمن باب الإنصاف ينبغي أن يقال: إن كتاب ما بعد السلفية فيه قدر كبير من الحق، وفيه ملاحظات نافعة وتنبيهات مهمة ولا يجوز إنكار قيمته المعرفية.
لكن الإشكال الرئيس ليس في أصل النقد، بل في الخلط، وخلل تشخيص المرض بدقة كافية، مما أوقعهم في تعميمات وأمور غير محررة…
قناة / تحريرات عقدية