سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٨)
المؤاخذة الثامنة : فقه الدليل وعدم التمذهب:
من أكثر الإشكالات التي ابتلي بها قطاع من السلفيين في الفترات السابقة ما يُعرف اليوم باسم فقه الدليل بناء على اتباع الدليل وعدم التعصب للمذاهب.
ومصطلح (اتباع الدليل) هو مصطلح شريفٌ في أصله، وقد قرره العلماء عبر القرون – بخلاف ما يظنه الخطاب الأشعري المقابل –
غير أن الممارسة السلفية الشعبوية لهذا المصطلح = أفرغته من مضمونه العلمي، وحولته إلى الفوضى الفقهية.
حتى صار الشاب الذي لم تنبت له لحية ولم تتكوّن عنده آلة الفقه، يتجرأ فيقول: ( قال الشافعي وقلتُ أنا) ، وكأن مجرد الاطلاع على حديث أو ترجيح في كتاب يساوي قرونًا من التأصيل المذهبي والتراكم العلمي.
ومن مظاهر هذا العبث، تأليف الشيخ وحيد عبد السلام بالي، متنًا فقهيًا وأسماه (بداية المتفقه)
لم يكتبه على مذهب معين ، بل على رأيه الخاص، فتأمل هذا العبث! والأكثر عبثية منه، طلابه الذين شرحوا هذا المتن.!
قد نتفهم -جدلاً – الدراسة على الطريقة الترجيحية ونعتبرها نوعًا من الفقه المقارن، لكن هل يصل الأمر إلى تصنيف متن فقهي على مذهب شيخ معاصر؟
رغم أن التراث زاخر بمتون محررة، سهلة العبارة، واضحة التقسيم، كمتن دليل الطالب في الفقه الحنبلي، وهو متن مناسب للتدرج، يضبط تصور المسائل، ويؤسس الملكة الفقهية قبل القفز إلى باب الترجيح. فالترجيح مرحلة متقدمة، لا يُبتدأ بها.
ومن صور الخلل الشائع ظن بعض السلفيين أن نيل الاوطار للشوكاني هو عين التفقه بالدليل والحقيقة ان هذا خروج من التمذهب بأحد الائمة الاربعة إلى التمذهب بالشوكاني= فالأمر واحد ولم يتحقق به المقصود.
فان قيل انا اقتنعت بأدلة الشوكاني قيل له : هذا الكلام لا يستقيم لأن المبتدئ لا أهلية له في تقويم الأدلة ولا في الموازنة بينها ولو قرأ المغني لابن قدامة أو المجموع للنووي لاقتنع بأدلة مذهبهم ايضًا؛ إذ لا يوجد مذهب فقهي بلا دليل.
وكذلك من يظن ان الاشتغال بشروح الحديث وحدها كشرح بلوغ المرام كافٍ في بناء الفقه= فإن هذا تصور قاصر لأن شروح الحديث لا تستوعب جميع الابواب الفقهية، ولا تضبط الفروع المتشعبة والمسائل المركبة، فينشأ الطالب وفي تكوينه فجوات معرفية عميقة
__
تفكيك المسألة وبيان الوهم عند الطرفين:
من الإنصاف أن يُقال إن هذه المؤاخذة على السلفية- وإن كانت صحيحة في الجملة – وتنطبق على السلفية الشعبوية، لكنها ليست على الصورة التي طُرحت بها في الساحة.
فالمسألة فيها حيثيات أعقد من ذلك، وسوء التصور فيها واقع من الطرفين، لا من طرف واحد. وهذه الحيثيات كما يلي :
باديء ذي بدء ينبغي أن تعلم أن فقه الدليل ليس منهجًا عامًا لكل السلفيين، بل هو مسلك مدرسة بعينها، هي مدرسة الشيخ الألباني والوادعي في اليمن، ومدرسة أهل الحديث في الهند، الذين هم امتداد لمدرسة الشوكاني، وقد تلقّف هذا المسلك الشيوخ في مصر، وعمموه بلا تمييز ولا تأصيل.
أما السلفيون في السعودية، فالواقع التاريخي يكذب دعوى خروجهم عن المذاهب، إذ كانوا متمذهبين بالمذهب الحنبلي تمذهبًا صريحًا إلى عهد الشيخ محمد بن إبراهيم سواء في التدريس أو الفتوى.. (باعتراف الشيخ علي جمعة نفسه)
ثم ابتداءً من عهد الشيخ ابن باز، اتجه الإفتاء نحو الترجيح (حيث قلدوا دار الافتاء المصرية في عدم الافتاء بمذهب) مع بقاء المذهب الحنبلي في التدريس، سواء في الدرس العلمي أو الجامعات الشرعية في السعودية.
بل السلفية النجدية رفضوا تقليد ابن تيمية نفسه في المسائل التي خالف فيها الأئمة الأربعة، كمسألة طلاق الثلاث بلفظ واحد وغيرها من مفردات ابن تيمية = وهو ما صرّح به الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالته لأهل مكة.
وقد أثرت هذه المدرسة المكتبة الإسلامية بخدمة المذهب الحنبلي، عبر الحواشي والتحقيقات المنيفة، مثل حاشية ابن مانع على دليل الطالب، وحاشية العنقري على الروض، وحاشية أبي بطين على منتهى الإرادات = وهي أعمال لا تصدر عن بيئة معادية للمذاهب، بل عن بيئة فقهية متمكنة
= ويكفي في ذلكشهادة ابن حميدصاحب كتاب (السحب الوابلة)، وهو من مناوئي الدعوة، حين وصف عبد الله أبا بطين بأنه: فقيه الديار النجدية بلا منازع، ثم قال : بموته فُقد التحقيق في مذهب الإمام أحمد.
فهل أنت أعلم بالمذهب من ابن حميد؟ إذن لا ينبغي لمنصف أن ينازع في كونهم حنابلة، إذ شهد لهم حتى خصومهم.
وكذلك السلفيون من الشناقطة فهم متمذهبون بالمالكية، ولم يعرف عنهم هذا العبث الذي يُنسب إلى السلفية… وكذلك المعلمي اليماني كان قاضيًا شافعيًا.
=وهنا يتبيّن أن تعميم النقد على السلفية بوصفها سبب الفوضى الفقهية تعميم غير علمي، قائم على خلط المدارس ببعضها، وجهل بالتاريخ الفكري .
يتبع…
=====
تتمة:
أصل دعوى الاجتهاد وفقه الدليل:
هذه الدعوة للاجتهاد لم تصدر أصالةً من الوسط السلفي، بل كان من أبرز الداعين إليها الإمام ولي الله شاه الدهلوي، صاحب الكتاب المشهور حجة الله البالغة.. إذ له كتاب آخر اسمه (عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد) هو عمدة الكتب الإصلاحية التي اعتمد عليها القائلون بفقه الدليل. وقد تأثر الازهر الشريف نفسه بدعوته. – كما سيأتي-
واشتدت هذه الدعوة أيضاً مع الأمير الصنعاني، الشوكاني، وصديق حسن خان القنوجي. وقد تأثرت بذلك كثير من المدارس العلمية على اختلاف مراتبها، سواء سلفيين أو أشاعرة أو ماتريدية.
بل الأزهر الشريف نفسه قبل الزج به في المناكفات المعاصرة = قد أصدر كتابًا بتقريظ هيئة كبار العلماء في جواز الخروج عن الأئمة الأربعة، وهذا الكتاب في تسامح لدرجة أنه قد لا يوافق عليه السلفيون أنفسهم.
فإذا كان المعارض للسلفية يرى أن فقه الدليل هو سبب ابتعاده عن السلفية وذمها= فلا مبرر له، لأن المسألة عامة، وليست خاصة باتجاه فكري معين.
والأمر نفسه نجده عند الغماريين في المغرب، فقد أصَّل الشيخ أحمد الصديق الغماري للخروج عن المذاهب الأربعة، وذم المتمذهبة، حتى إنه قام بتنزيل الآيات الواردة في الكفار والمشركين على المقلدة والمتمذهبة،
وذلك في كتابه (الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد)، حتى إنه شبه مقلدة المذاهب بالكفار والمشركين!!!
وسار على دربه الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في جواز الخروج عن المذاهب الأربعة وانتقد المتأخرين. وقرَّظ كتاب شقيقه أحمد الغماري (الإقناع بصحة صلاة الجمعة في المنزل خلف المذياع)، وهو الكتاب الذي شذَّ فيه عن جموع العلماء.
يقول عبد الله الغماري منتقدًا الجمود على المذاهب الأربعة: “أكثر الشروط التي اشترطتها الأئمة لإقامة الجمعة أو صحتها -كالمصر أو عدد معين أو المسجد أو عدم تعدده إلى غير ذلك- لا دليل عليه من الكتاب والسنة” أهـ
مما يوضح أن نقد التمذهب ليس اختراعًا معاصرًا للسلفية، بل كان محورًا في مدارس علمية مختلفة، سلفية وأشعرية وماتريدية على حد سواء.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يُشار بأصابع الاتهام إلى السلفيين وكأنهم سبب الفوضى الفقهية، فيما يتجاوز غيرهم كل المخالفات السابقة ثم يُمدحون؟
والحقيقة الأكاديمية (دون تحيز لطرف على طرف) : هو أن النقد الموجه للسلفية المعاصرة في الفترة السابقة = كان عبثيًا بامتياز.. لا يقل في العبث والجهل عن عبث وجهل كثير من السلفيين أنفسهم.
حيث كان يُعاني النقد من تبسيط شديد للمسألة ويفتقد إلى المعايير العلمية ويجهل التاريخ الفقهي للمذاهب الفكرية .
__
تحقيق المسألة: التوسط بين التمذهب وفقه الدليل
نعود لنقول إن الصورة ليست كما يتصورها الطرفان في النقاش المعاصر. فالمخالفون لما رأوا العبث في الترجيح عند بعض السلفية الشعبوية ذهبوا إلى ذم أي ترجيح، حتى لو صادر عن عالم متمذهب، وقالوا: لا يجوز الخروج عن المذهب مطلقًا.
وأما أصحاب فقه الدليل فذهبوا إلى النقيض، رافضين التمذهب، واعتبروا أنه الأفضل التفقه بالدليل فقط.
وكلا الطرفين مخطئ. الحق بينهما.
فالصواب هو التمذهب المنضبط، وتنشئة الطالب على التضلع والتأصيل، وتصور المسائل في ضوء المذهب حتى الوصول إلى كتب المذهب المتقدمة
= لكن إذا تبين له الدليل في مسألة معينة مع مذهب آخر، فلا حرج من الخروج في هذه المسألة والعمل بالدليل، بل هذا هو الواجب.
وهذا الأمر ليس للمجتهد فقط، – كما يظن الطرف المقابل – ، بل للطالب المتوسط المميّز ، حتى وإن لم يصل لدرجة الاجتهاد.
يقول ابن تيمية: (أكثر من يميز في العلم من المتوسطين إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام ترجح عنده أحدهما، لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه = والواجب على مثل هذا موافقته القول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد) .
تأمل قوله (بلا دعوى منه للاجتهاد) ، فهذا يؤكد أن اتباع الدليل لا يشترط فيه بلوغ الاجتهاد.
وللذهبي كلام كثير في هذا المعنى ،وهو رأي العز بن عبد السلام وأبو شامة. وإن خالفهم غيرهم من متعصبة المذاهب
المقصود مما سبق:
نعم نقد السلفية المعاصرة على مسألة التمذهب وفقه الدليل = له وجه من الصحة، خاصة فيما يخص السلفية الشعبوية وطبقة الدعاة.
لكن النقد تم طرحه بتبسيط مخل، حيث افتقد كلا الطرفين إلى تحرير المسألة بشكل علمي، مع عدم إلمام بالتاريخ الفكري وفهم جذور المسألة ، فوقعوا في التعميم المضلل.
يتبع…،،
======
تتمة :
موضع مدرسة الشوكاني من الفقه الإسلامي
تبقى هنا مسألة مهمة لا يكتمل الحديث دونها وهي تقييم مدرسة الشوكاني ومن سار على نهجها كمدرسة الشيخ الالباني رحمه الله.. هل هي مدرسة ساقطة يجب هدمها ؟
بعض متعصبة المذاهب هدموها وذموا أعلامها وبالغ بعضهم واتهم الشوكاني بأنه يهودي مندس لإفساد المسلمين! وقابل هؤلاء طائفة من السلفيين وجعلوا كتبهم هو فقه الدليل!
والحق والإنصاف – مع كوني لست من أنصار هذه المدرسة – أنها مدرسة معتبرة إذا وُضعت في سياق الإثراء العلمي لا في سياق التدريس المذهبي..
يعني يمكن الاستدلال بالشوكاني والصنعاني في ثنايا بحث من باب الاثراء العلمي والتعضيد، لا أن تدرس كتبه للطلبة كبديل عن المذاهب!
كما لا يصح التعامل معها بمنطق الإقصاء أو التشنيع، فضلاً عن الهدم الكلي، فالأزهر الشريف نفسه يعترف بكتب الشوكاني واعتنى بها وطبع نيل الاوطار واعتمده في الاستدلال.
بل إن شيوع الكتاب وانتشاره الواسع في العالم الاسلامي = قرينة ظاهرة على قبوله العلمي؛ إذ لا يمكن ان تتلقى الأمة كتابا عبر قرون لو كان ساقطًا لا وزن له..
غير أن هذا لا يمنع من القول بان الاولى في باب التعليم والتكوين هو التمذهب والتأصيل المنهجي.
وما وقع من فوضى فقهية لم ينشأ من كتب الشوكاني في ذاتها بل من القراءة الشعبوية لها دون أهلية ولا تكوين سابق فصارت تلك الكتب في يد من لا يحسن استعمالها اداة لهدم البناء الفقهي لا لاستكماله
ولا ينبغي ان ننسى هنا أن الشيخ الالباني نفسه لم ينشأ نشأة فوضوية ولا بدأ حياته العلمية من فراغ بل نشأ حنفيًا، وتضلع بكتب الفقه الحنفي ودرس على أبيه وعلى أصحاب أبيه سنوات طويلة وحفظ مراقي الفلاح على الشيخ سعيد البرهاني، وحفظ كذلك كتب الأصول واللغة وغيرها.
واللطيف أن الشيخ الألباني لم يكن ينصح بالدراسة وفق فقه الدليل، بل كان الشيخ – بحسب ما نقله تلميذه محمد عيد عباسي- يميل إلى التمذهب للمبتديء حتى يتمكن وتتشكل لديه الملكة و الأدوات ، منعا من الفوضى الفقهية
وعليه، فأصحاب فقه الدليل مخالفون حتى للألباني نفسه.
ثم إن مدرسة الشوكاني في أصلها التاريخي ليست نزوة عابرة ولا تمردا على التراث كما يتوهم بعض المخالفين بل هي امتداد لما يعرف بالمدرسة (الزيدية المتسننة) وهي مدرسة خرجت من رحم الزيدية بعد دراسة موسعة لمذاهب الإسلام والبحث الجاد عن الحق ونبذ التعصب المذهبي (متأثرين بابن تيمية وابن القيم وابن حزم والعز بن عبد السلام وأبو شامة ) ممن قرروا الاجتهاد وذموا متعصبة المذاهب
وقد دار أكثر أعلام هذه المدرسة في فلك المذاهب الأربعة غالبا ، إلا النادر من المسائل.
وهؤلاء معذورون في مسلكهم بحكم نشأتهم الزيدية… إذ لو خرج احدهم من الزيدية ثم تمذهب بالشافعية مثلا لما كان قد صنع شيئا، لأنه سيكون قد خرج من تقليد شخص إلى تقليد آخر! .. بل هم وصلوا لنوع من أنواع الاجتهاد
** ورأس هذه المدرسة هو الإمام ابن الوزير اليماني مجتهد اليمن في عصره والمعاصر للحافظ ابن حجر وقد حكى قصة لطيفة دالة على طبيعة تكوينه إذ قال إنه لما كان بمكة قال له أحد الشيوخ وقد فرح بخروجه عن الزيدية : انظر إلى احد المذاهب السنية وتمذهب به، فقال مستنكرًا: قد تركت مذهب زيد بن علي لأتبع الكتاب والسنة، ثم أقلد الشافعي؟!
وابن الوزير هذا قد أثنى عليه الحافظ ابن حجر نفسه في (الدرر الكامنة) ووصفه بانه شديد الاتباع للسنة، وهذه شهادة إمام معتمد عند الاشاعرة، فلم يسقط ابن حجر رأس هذه المدرسة ولم يتهمه بفوضى ولا شذوذ.
فالمقصود ان مدرسة الشوكاني مدرسة معتبرة -في الجملة- ولها أصولها وسياقها التاريخي ومبرراتها العلمية وليست هي سبب الفوضى في ذاتها وإنما سبب الفوضى هو نقل منهج إثرائي لا يناسب المبتدئين ثم تعميمه على أنه هو الفقه المدرسي.
والذي يلتئم به الدليل والمنهج أن يقال أن الأصوب في التعليم والتكوين= هو التمذهب بأحد المذاهب الأربعة، والتأصيل وضبط التصور الفقهي بالتدرج المذهبي، ثم إذا تأهل الطالب ونضجت ملكته، وأصبح عالماً، حينئذ = حق له أن يدور مع الدليل.. لكن عليه أن يشرح المذهب ويحسن تصويره كما هو… ويجعل اختياره للإفتاء فقط.
وهذا لا يناقض التمذهب بحال، ولا يهدم مدرسة من مدارسه بل يضع كل مسلك في موضعه الصحيح ويمنع العبث باسم العلم والدليل
======
سألني بعض الإخوة عن الشرح الممتع لابن عثيمين، وعن كونه لم يُكتب على الطريقة المذهبية الصِّرفة، فرأيت أن أُجيب عن هذا قبل الانتقال إلى المأخذ التالي.
أولًا:
ابن عثيمين نفسه انتقد ما يُسمّى بـ(فقه الدليل) بصورته الشائعة، وصرّح بأن الدعوة المطلقة إليه تُفضي إلى فوضى فقهية، وقال في أحد دروسه : (كان مشايخنا ينصحوننا بحفظ الزاد والروض والتدرج في المذهب ونحن ننصح طلابنا بذلك.. ثم ابتُلينا في الآونة الاخيرة في هذه الديار بمن يقول للطلبة: عليكم بفقه الدليل.. وهذه فوضى !!).
وهو مقطع صوتي سمعته منذ سنوات.. وهو ما يدل أن الشيخ يقينًا ليس على هذه الطريقة
أضف إلى ذلك أن الشيخ له غير الشرح الممتع، كتب أخرى مذهبية صرفة، فله حواش مذهبية على الروض مثلاً، لم يخرج فيها عن المذهب.
ثانيًا:
أخطأ من ظنّ أن الشرح الممتع فقه دليل، وإنما وقع هذا الظن بسبب ترجيحات الشيخ أثناء الشرح، وهذا الخطأ ناشئ عن أمرين:
١-عدم فهم حقيقة ما يُسمّى بفقه الدليل.
٢-عدم فهم منهجية الشيخ في الشرح.
أما الأول :
فأصحاب فقه الدليل إذا شرحوا متنًا فقهيًا = إنما يتخذونه إطارا دراسياً لعرض آرائهم واختياراتهم، ولا يُعنَون بتصوير مسائل المذهب نفسه ولا تحريره ولا موارده ولا وجوه الأصحاب (لأنهم لا يعرفونها أساساً)
أما شرح ابن عثيمين فليس كذلك؛ إذ يعتني بشرح مسائل المذهب شرحًا تامًا، وتصويرها تصويرًا دقيقًا، ثم يأتي الترجيح بعد ذلك، على أنه اختيار شخصي لا يؤثر في بناء المسألة المذهبية ولا في فهمها.
وقد أقرّ بذلك الشيخ محمد السيد الحنبلي الأشعري – شيخ الحنابلة بالأزهر – إذ قال إن ابن عثيمين من أحسن من صوّر مسائل المذهب، وإنك لو تركت ترجيحات الشيخ لانتفعت به كثيرا…
ذكر هذا من ضمن أجوبته على برنامج (آسك)
أما الثانية: عدم فهم مناهج الشروح:
وذلك لأن الشرح له مناهج متعددة؛ منها ما يقتصر على بيان المعتمد فقط، ومنه بيان وجوه المذهب فقط، ومنها ما هو شرح موسّع كـالمجموع للنووي مثلاً ونحوه.
بل إن الكتب المذهبية نفسها لا تخلو من ترجيح شخصي؛ فالمرداوي مثلاً في الإنصاف يقول في مواضع كثيرة: (وهذا القول أقوى، والمذهب على خلافه)
وابن حجر الهيتمي في تحفة المنهاج يناقش أصحابه كثيرًا، ومن ذلك مثلاً مسألة التكفير بالسجود، حيث أن المذهب هو التفريق بين سجود التحية والعبادة، ومع ذلك خالفهم وناقشهم في صفحتين أو ثلاثة .
فالعبرة في الشروح المطوّلة ليست بوجود الترجيح، وإنما بحسن شرح المذهب وتحريره.
وشرح ابن عثيمين من الشروح التي تعتني:
ببيان (معتمد المذهب) نفسه ومنزعه، وذكر الخلاف داخل المذهب، والمذاهب الأخرى، ولا سيما الشافعية، وذكر رأي ابن تيمية وبيان منزع كل فريق.
وكل ذلك= من باب الإثراء العلمي الذي يُدرّب الطالب المتقدم على فهم المسائل ومآخذها.
بل إن هذه الطريقة أدعى إلى ترسيخ المسألة في الذهن؛ لأن تقليب المسألة يمنة ويسرة= يعمل على تثبيت أصولها ويكشف عن عللها.
لكن بالتأكيد هذا يناسب الطالب المتوسط او المتقدم، ولا يبدأ به الطالب المبتديء إلا لفهم مسألة اشكلت عليه ونحو ذلك.
ومن الأمور التي تبين لك أهمية شرح الشيخ ، ما ذكره لي أحد الإخوة منذ سنوات فقال لي ما معناه:
أنه كان يأخذ موقفًا سلبيا من شرح ابن عثيمين، ظنًا منه أنه فوضوي- كما كان يُشاع من غلاة المتمذهبة – ، وكان الأخ قد التحق ببرنامج دراسي مذهبي، ويجد صعوبة شديدة في فهم المتون والشروح، حتى وصل إلى باب من الأبواب – أظنه قال باب البيوع والمعاملات-، فلم يفهم منه شيئًا، وكاد أن يحبط، وبقي شهورًا على هذه الحال.
حتى نصحه أحد الإخوة بمطالعة شرح ابن عثيمين.
قال لي: فهمت الباب بسهولة ويسر، وندمت أشد الندم أني لم أستعن به منذ البداية، إذ أضعت من عمري فترة طويلة، وحُرمت من هذا الخير بسبب دعاة السوء!
المقصود: أن تنوع طرائق الشروح أمر محمود، والنظرة السلبية للكتب تأتي من الجهل غالبًا..ولو فهمت مناهج العلماء في كتبهم = لوضعت كل كتاب في سياقه، وسوف تستفيد منه بالطريقة التي تناسبك.
والله أعلم.
منقول