سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٦)
المؤاخذة السادسة: عدم قراءة ابن تيمية قراءة دقيقة:
من المؤاخذات المنهجية في الخطاب السلفي المعاصر: سوء قراءة ابن تيمية، لا من جهة المخالفة الصريحة له، بل من جهة حصره في نطاق ضيق ، ثم سوء فهم هذا النطاق نفسه.
فابن تيمية ليس مجرد مقرر لمسائل الصفات، بل هو صاحب مشروع تجديدي واسع في مجالات متعددة
أقول: حتى هذا الجزء الذي تم حصره فيه الذي هو باب العقيدة = تمت قراءته قراءة غير دقيقة، لا تفي بمقصوده، ولا تُنصف طريقته.
على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: الخلل في فهم التفويض:
من أشهر الأخطاء الشائعة عند السلفية المعاصرة وخصومهم : الظن أن التفويض هو إثبات الصفة مع التنزيه، وترك الخوض في ذات الله.. أما إثبات المعنى فهو تعريف الصفة تعريفًا لغويا تامًا وتصورها تصورًا كاملاً !!
وهذا – والله – فساد عظيم؛ فالتفويض الذي أنكره شيخ الإسلام ليس مجرد التنزيه المجمل أو ترك البحث في الكنه.. وإنما هو التأويل الإجمالي؛ أي: حمل اللفظة على معانٍ مجازية متعددة محتملة دون تعيين واحد منها، مع الجزم أن ظاهرها غير مراد.
فاليد – عند المفوضة – لا تثبت كصفة زائدة أصلًا، بل تُرد إلى مجازات محتملة مثل القدرة، أو النعمة، أو القوة… دون تعيين، مع نفي أن تكون صفة قائمة بذات الله.
= ولهذا كان ابن تيمية يؤكد دائمًا أن أصل اللفظ له معنى معلوم في لسان العرب، حتى يمنع هذا التأويل الإجمالي الذي نُسب زورًا إلى السلف.
وزاد على ذلك أن مفوضة الأشاعرة لا يثبتون هذه الصفات صفاتٍ زائدة على الذات، بل يردّونها إلى الصفات السبع، فالفارق بين المنهجين جوهري.
.
لكن لما شاع بين السلفيين أن (التفويض المذموم = الإثبات مع التنزيه) ، انتقل هذا الفهم المشوَّه إلى الأشاعرة أنفسهم، وصار كثير من العوام يظنون أن الأشعرية هي الامتداد الطبيعي لتعظيم الله عز وجل، لا لأنهم اقتنعوا بأصول أهل الكلام، بل لأن الخطاب السلفي قدّم لهم صورة منفّرة ومضطربة عن الإثبات.!
____
ثانيا: مسألة النزول أنموذجًا :
تتجلى هذه القراءة المضطربة بأوضح صورها في مسألة النزول.
فابن تيمية يثبت النزول الوارد في النصوص، وفي الوقت نفسه ينزه الله عز وجل عن معاني الجسمية بقوله : (…كمن يظن أنه ينزل فيتحول، كمن ينزل من أعلى السطح إلى أسفل، فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلاً لمكان آخر = فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه) أهـ
غير أن السلفية المعاصرة – في كثير من خطابها – صارت تنفر من هذا النوع من التنزيه السُني المنضبط، وتعدّه تفويضًا أو تأثرًا بعلم للكلام. (مثلما اتهموا الشيخ محمد حسان من قبل)
حتى أنني واجهت بعضهم بنص ابن تيمية السابق من كتابه (شرح حديث النزول) فقال لي:
(لعل ابن تيمية كان في بداية أمره مفوضًا، ولعل هذا من أوائل كتاباته ) .. !
وهذا يُبيّن لك خلل التصور عند هؤلاء. فالميزان ليس النص ولا التحقيق العلمي، بل الصورة الذهنية المسبقة عن ابن تيمية. فإن وافقها يقبلها، وإن خالفها يتأول كلامه، أو ينسبه إلى مرحلة قديمة !
والحق أن هذا الخلل هو أحد الأسباب في نفور العوام من الخطاب السلفي في الصفات، ثم انجذابهم إلى الأشاعرة؛ لا حبًا في الكلام، بل هروبًا من خطاب يوهمهم بالتجسيم، أو يعجز عن الجمع بين الإثبات والتنزيه.
___
ثالثًا: مسألة الجسم والمصطلحات الكلامية
وهذا الخلط أيضا يحدث في مسألة الجسم؛ فالسلفيون يظنون أن ابن تيمية يتوقف في نفي الجسم بحقيقته المعروفة، بينما هو يتوقف في المصطلح الكلامي لا في المصطلح اللغوي.
يقول ابن تيمية : (فالجسم في اللغة هو البدن، والله منزه عن ذلك)
ويقول أيضًا: (.. فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد بالجسم في اللغة)
بل نفى الجسم في مواطن عدة مثل قوله ( فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة وكلامًا ومشيئة… جاز أن يكون وجه الله ويداه صفاتٍ ليست أجسامًا)
ويقول : (.. بل الرب موصوف بالصفات وليس جسمًا مركَّبًا لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة كما يدعون كما سنبينه إن شاء الله تعالى؛ فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المُحال، بل غلطوا في هذا التلازم) أهـ
قلتُ: ولما كان المتكلمون يستعملون لفظ الجسم بمعانٍ فضفاضة، امتنع عن إطلاق النفي أو الإثبات للمصطلح الكلامي في معرض المناظرة حتى يُستفصل عن مرادهم . وهذا من دقته المنهجية، لا من تردده في التنزيه – كما يتصور الطرفان- ! .
غير أن القراءة السلفية السطحية حولت هذه التحريرات الدقيقة إلى موقف ملتبس وعليه علامة استفهام كبيرة من قِبل الأشاعرة.. بدلاً من أن يشرح لهم السلفيون موقفه شرحا علميا منضبطًا.!!
بل أزيد على ذلك: أن ابن تيمية جعل مسألة النفي والاثبات للجسم والجوهر والعرض = (مسألة فقهية) راجعة إلى تقدير العالم…وهي قضية أخرى يخلط فيها السلفيون أيضا، ويظنون أنها من أصول العقيدة !!
يتبع.. ،،
=====
تتمة النقد:
رابعًا: استخلاص عقيدة ابن تيمية من مطولاته ومناقشاته:
وهذا الخلط يقع فيه بعض طلبة العلم الذين تخصصوا في علم الكلام حيث يأخذون عقيدة ابن تيمية من بيان تلبيس الجهمية والدرء..إلخ
أولاً: يجب أن نفهم أن ابن تيمية وضع عقيدة السلف في مختصراته العقدية مثل الواسطية والحموية ونحوهما.
= وهذه هي التي كان يُناظر عليها خصومه، ويُمهلهم بالسنوات لنقضها ، ولم يدّع ابن تيمية أن له عقائد تزيد على ذلك.
أما مطولات ابن تيمية التي خصصها للمناقشات وبيان أوجه الرد (مثل بيان التلبيس والدرء) = فقد خصصها لبيان وجوه الرد، ففيها ما هو إلزام وفيها ما هو تقرير
فأحيانا يورد الرازي شبهة عقلية ثقيلة =
فيجيب ابن تيمية بخمسين وجهًا = وليس كل الوجوه يقول بها ابن تيمية بالضرورة.
بل قد يستدل مثلاً بكلام ابن رشد لهدف معين ؛ لا لكونه يوافقه على جميع كلامه، أو قد يستدل بحجج الكرامية، ولا يوافقهم على جميع كلامهم، وهكذا.
مثلاً يقول ابن تيمية : (الوجه الأول أن يُقال كثير من النظار والكرامية والفلاسفة يخالفونكم في كذا وكذا… إلخ ) ثم يسهب في إيراد هذه الحجة
فبسبب إسهاب ابن تيمية = يظن (السلفي/ والأشعري) بسذاجة أن ابن تيمية يُقرر مذهبًا له، وأن قوله هو قول الفلاسفة والكرامية في هذه الحجة! .
وقد نبه على هذا المعنى تنبيهاً نفيساً أستاذنا الدكتور محمد الجليند، حيث قرر أن تهمة التشبيه والتجسيم راجعة إلى سوء فهم المنهج الجدلي عند ابن تيمية.
حيث يحكي ابن تيمية أقوال الخصوم، ويتنزل معهم في الجدل، ويورد حججًا لضرب حجج، ويُسقط الأقوال بعضها ببعض، ثم يُعلن رأيه في النهاية، مدعومًا بالكتاب والسنة.
=فليس كل ما يقوله ابن تيمية في سياق الحجاج معتقدًا له بالضرورة. وللأسف هذا مما يقع فيه الخلط عند كثير من السلفيين.
_
إذن، يمكن تلخيص مظاهر الخطاب السلفي في التعامل مع ابن تيمية في ثلاثة أنماط خطيرة:
١- فهمه بلازم قوله لا بقصده.
٢- تقليده تقليدًا حرفيًا دون وعي بمنهجه.
٣- استخلاص العقيدة من مناقشاته الجدلية في كتب المطولات.
والحديث في هذا الباب ذو شجون، ولو تتبّعنا أمثلة الخلل في قراءة ابن تيمية مثالاً مثالاً وتشعبنا في جزئيات المسائل وتطبيقاتها = لخرجنا عن مقصود الإشارة، وطال المقال بما لا يخدم هدفه.
ومن أراد الاستزادة، فقد أوردتُ في ثنايا كتابي (الأروقة الحنبلية) نماذج كثيرة لسوء الفهم، وانتقدت الطرفين في فهم ابن تيمية، فليُراجع.
=======
كما ينبغي التنبيه: إلى أن غالب هذه التصورات الخاطئة إنما تقع من طلاب العلم والمناظرين، لا من أهل العلم غالبا؛ كالشـيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ يوسف الغفيص، ونحوهم. فهؤلاء — في الجملة — علماء فضلاء، وإن كان الخطأ واردًا بطبيعة الحال؛ إذ لا عصمة لأحد بعد النبي ، وكلُّ أهل العلم يخطئون ويصيبون.
فالخطأ وارد، وقد سبق وقد نقلت أوهامًا للإمام السفاريني حيث شرح كلامًا لابن تيمية بمذهب القاضي وشرح مذهب القاضي بكلام ابن تيمية. فخلط رحمه الله ولم يتصور المذهبين !!
وقد أثبت أبو الحسن الأشعري صفة الجنب لله، بناء على ظاهر النص، مع أنها ليست صفة. وأثبت القاضي أبو يعلى صفة الصدر والفخذ والأضراس وغيرها مما لا يثبت
(المقصود) : أن الخطأ وارد على العلماء الكبار. لا إشكال في هذا.
فلا يظنّن أحد أن هذا النقد موجّه للشيخ ابن عثيمين، أو الشيخ ابن باز رحمهما الله تعالى ؛ فمَن طالع القواعد المثلى، وتأمّل أجوبة ابن عثيمين وشروحاته وتقسيماته الدقيقة، أدرك رسوخ هذا الرجل، وحُسن تصويره للمسائل، ودقة نظره في كثير من المواضع.
غير أن الذي يمكن أن يُقال – بإنصاف – أن هؤلاء العلماء قد يُجملون في مواضع، أو يكتفون بنقل عبارة لابن تيمية، وتكون صحيحة في سياق معيّن، غير أنها تحتاج إلى تفصيل.
مع وجود نوع خطأ في إثبات آحاد الصفات، مما لم يسلم منه عالم، كما هو معلوم.
=====
ومع التنبيه: إلى أن هذا المأخذ السابق إنما يتعلّق بطوائف السلفيين المتقيدين بالقراءة التيمية، وهو الخطاب السلفي المشهور غالبًا. هؤلاء خطؤهم راجع إلى سوء فهم عبارة ونحوها؛ وهو خطأ يسير إذا ما قارناه بطوائفَ أخرى داخل السلفية وقعت في انحراف أشد.
كطوائف الحدادية والمتأثرين بهم، من المشتغلين بالآثار دون فهم، حيث تجاوزوا ابن تيمية نفسه، فأثبتوا ما توقف فيه نفياً وإثباتاً ، فأثبتوا (الحركة والانتقال والمماسة فوق العرش والجلوس) ونحو ذلك من الألفاظ، بحجة أنها لازم الإثبات أو مقتضى النصوص أو وردت فيها آثار عن بعض أئمة أهل الحديث ! أضف إلى ذلك تهجمهم على العلماء واتهامهم إياهم بالتجهم. كاتهامهم لابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم
ولا يخلو هذا المسلك من أن يظهر عند آحاد من طلاب العلم، على سبيل المثال: عادل آل حمدان؛ فقد تكون تحقيقاته جيدة، إلا أن تعليقاته العقدية فيها خلل وتهور ظاهر، وبتر لكلام ابن تيمية عن سياقه، ويعتمد في ذلك على ضحالة علم القاريء الذي لا يراجع النصوص ولا يقارن بين المواضع.
منقول