اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٤)/ المأخذ الرابع: عدم تدريس الخلاف العقدي.. وآثاره السيئة/ تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٤)

المأخذ الرابع: عدم تدريس الخلاف العقدي.. وآثاره السيئة

إذا تفهمنا – على وجهٍ ما- وجود تأويل لثقافة القول الواحد في باب الفتوى مراعاةً لاجتماع الناس، أو سدًّا لباب الاضطراب على العوام. فماذا عن الدرس العلمي؟
فالدرس العلمي ليس مقام إفتاء للعامة، بل هو مقام تكوين طالب علم، وتكوين طالب العلم لا يكون بتلقينه قولا واحدا في العقيدة والفقه، وكأن الدين مجموعة أجوبة نموذجية (!) ، وإنما يكون بفهم المسائل، ومعرفة مواطن الاتفاق والاختلاف، موارد الأقوال (منزع كل فريق) وقوة أدلتها وضعفها، ومراتب الخلاف فيها.. إلخ .

وإلا فبأي معنى يكون طالب علم إذا لم يتدرب على النظر والمقارنة والترجيح؟

إن تربية طالب العلم على قول واحد في العقيدة والفقه – مع إخفاء الخلاف – فساد منهجي عظيم، وآثاره لا تظهر فورا، لكنها تظهر بعد مدة.. لأن الطالب سوف يكتشف بعد ذلك أن في المسألة خلافا معتبرا، ثم يرجع على المشايخ بالذم والتقريع!

الخلل في الدرس العقدي:
كان من سمات الدروس العقدية في العقود الماضية أن الشيخ يكتفي بذكر ما يراه صوابًا – اختيار ابن تيمية – دون بيان كافٍ للخلاف العقدي، حتى أن الخلاف الذي بين أهل الحديث أنفسهم يتم إهماله! ، وكأن هذه المسائل لم يقل فيها أحد غير هذا القول. وهذا خلل تربوي قبل أن يكون خلل علمي.

ومن كان منهم يشير إلى الخلاف – مع ندرة حدوث ذلك- فإنه كان يشير بإجمالٍ مُخل بهدف إبطاله, لأنه يراه من أقوال أهل البدع! ، وقد يكون هذا القول أحد أقوال اهل السنة المرجوحة !!

والواجب في الدرس العلمي أن يتم تدريس الخلاف العقدي نفسه، وأدلة كل فريق باستيفاء وحسن تصوير.

ثم يتم بعد ذلك التفريق بين: الخلاف القريب والبعيد، والمحتمل وغير المحتمل، وما له وجه قوي، وما له وجه ضعيف، وما قال به أئمة معتبرون، وما انفرد به آحاد. لا أن يختزل الدرس في إيراد القول الراجح فقط.

وطريقة ايراد الخلاف العقدي ليس المراد منها تمييع الحق، بل تحصين الطالب = وذلك لأن من أسباب انتكاس طالب العلم أنه يكتشف – بعد سنين – أن أئمة من أهل الحديث قالوا بأقوالٍ كان يظن سابقًا أنها قطعية ولا خلاف فيها = فيدخل قلبه الشك، ويظن أن مشايخه قد خدعوه أو أخفوا عنه الحقيقة..

وهذه نكتة دقيقة ينبغي التنبه لها:
إن لم تذكر للطالب القول الآخر في الدرس، فسوف يكتشفه عند الخصم، وبصورة مشوَّهة.

ومثال ذلك:
(على سبيل المثال لا الحصر) :

مسألة شدّ الرحال لزيارة القبور مثلاً. فالغالب في الدروس السلفية أن يُذكر حديث: (لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد …) مع تقرير فهم واحد للحديث، مع أن العلماء اختلفوا في تفسيره: منهم من قال: هو خاص بالمساجد الثلاثة، ولا يدخل فيه سائر الأسفار الدينية، وإلا للزم تحريم السفر لطلب العلم والسفر لصلة الرحم ووالخ .
– ومنهم من حمله على عموم كل سفرٍ ديني لقرائن أخرى ذكرها ابن تيمية.

وكلا الفهمين مروي عن فقهاء معتبرين، ليس عن فقهاء المتأخرين فحسب، بل عن فقهاء متقدمين أيضًا.

والقول بجواز السفر لزيارة قبور الصالحين هو المعتمد في مذهب الحنابلة، وقد استفاض ابن قدامة في الرد على ابن عقيل في هذه المسألة.

نعم، هذا القول مرجوح عندنا، لكن الأمانة العلمية تقتضي بيان منزع كل فريق وتصوير المسألة تصويرا أميناً، وتوجيه قوله توجيها صحيحا.. وتفهيم الطالب أن مقصود العلماء ليس الشرك بالله – حاشاهم- ، بل هو السفر للبر والإحسان لصاحب القبر ، وليس لعبادته.

وأن الدعاء هناك يكون لله، وليس لصاحب القبر.. وأن قول العلماء (التبرك بالزيارة) معناه – على مذهبهم- أي التبرك بالعمل الصالح، وذلك لأن الزيارة نفسها صلة وبر، فهي من الأعمال الصالحة.. كقولك أتبرك بزيارة أبي، أو أتبرك بصلة الأرحام ونحو ذلك؛ لأنه عمل صالح.

ثم بعد أن تشرح منزع هذا القول، وأدلته، وتُحسِن تصويره = انتقد هذا القول كما تشاء، ورجح القول الصحيح بالأدلة.

هذه هي الطريقة المثلى، لا أن يتم إيهام الطالب أن هذا قول القبورية !!

لماذا هذا الشرح السابق مهم؟

لأن الطالب إذا عرف هذه الأقوال مسبقًا، وفهم المسألة على وجهها = ستكون عنده حصانة علمية إذا سمعها بعد ذلك من المخالف – قبوري أو أشعري – ولن تؤثر فيه، ولن تدخل عليه الشبهة، لأنه يعرف المسألة وتخريجها قبل أن تُلقى عليه.

أما كتمان الخلاف في مقام التعليم، فهو لا يحمي الطالب، بل يؤخر الصدمة فقط… ويجعلها أعنف حين يعرفها وهو لا يفهم المسألة على وجهها، وبالتالي = إما أن ينتكس، وإما أن يقع في أئمة المسلمين ويتهمهم بالشرك!

= وهو ما حدث بالفعل مع طوائف من جهال السلفيين .

=====

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٥) /المأخذ الخامس : التقوقع حول مدرسة واحدة (وأصنام الكهف)/تحريرات عقدية/
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٣) /المأخذ الثالث : ثقافة القول الواحد/تحريرات عقدية/