اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٣) /المأخذ الثالث : ثقافة القول الواحد/تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٣)

المأخذ الثالث : ثقافة القول الواحد:

قد نفهم جدلًا التشديد في بعض مسائل الاعتقاد بدعوى المحافظة على العقيدة . لكن الإشكال الأعظم في الخطاب السلفي المعاصر هو نقل هذه العقلية نفسها إلى الفقه، وتحويل المسائل الاجتهادية العملية إلى ما يشبه القضايا العقدية الصلبة!! ، بحيث يُراد للناس أن يسيروا على قولٍ واحد، ورأي واحد، ومنهج واحد في كل صغيرة وكبيرة.

وهذا المنهج غريب عن روح الفقه الإسلامي. فالفقه بطبيعته مجال تعدد وسعة وميدان اختلاف معتبر لا يُتصوَّر فيه قول واحد يلزم به الناس في جميع الأمصار والأعصار…وقد درجت الأمة قرونا طويلة على التعدد الفقهي، ورأت فيه رحمة وسعة، لا خللا ولا اضطرابا.

والمفارفة العجيبة جداً= أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أعظم الناس تسامحاً في الفقه والفروع . بل لما سأله البزار عن تصنيف كتاب في الفقه قال : (الفقه أمره يسير، فمن أخذ بأحد هذه المذاهب فلا تثريب عليه).

لكن للأسف الخطاب السلفي – في صورته الغالبة- لم يقف عند حدود الترجيح العلمي بل تجاوز ذلك إلى ثقافة الإلزام
بل احيانا إلى الامتحان فمن وافق القول المختار أُثني عليه، ومن خالفه – ولو في مسائل اجتهادية محضة – نُظر إليه بعين الريبة، ثم اتُّهم بالتساهل أو التمييع، وربما أُلحق بأهل البدع!!

وهكذا تحوّل الفقه من علم يدرس فيه الخلاف، إلى هوية يُمتحن بها الناس.

الأخطر من هذا = أن هذا المسلك يُضعف ملكة الاجتهاد، ويغلق باب النظر، وينتج عقلا جامدًا، يظن أن الخلاف (كله) شر محض، وأن تعدد الأقوال خلل في المنهج، مع أن تعدد الأقوال في كثير من المسائل كان مظهرًا من مظاهر سعة الشريعة، ومرونة الفقه، وعمق النظر عند السلف.

وقد زاد هذا الخلل حين نُقلت فتاوى مشايخ المملكة – التي صدرت في سياقات بيئية واجتماعية خاصة بهم – إلى سائر البلدان، دون اعتبار لاختلاف أعراف الناس، ولا لاجتهاد علماء تلك الأمصار

= فصار الداعية السلفي في مصر أو الشام أو المغرب يُفتي بفتوى قيلت لبيئة نجدية، ثم يجعلها معيارا للسنة والبدعة، ويُخاصم بها علماء بلده، ويشتت بها عامة الناس!

وهذا المنهج لا ينتج فقهًا، بل يُنتج اضطراب.. بحيث يغدو الخلاف الفقهي معركة ولاء وبراء لا سعة ورحمة.

_
ومع هذا، فالعدل يقتضي التنبيه إلى أن ثقافة القول الواحد في المملكة خرّجها بعضهم على أنها من باب ( السياسة الشرعية) للحفاظ على اجتماع الكلمة داخل البلد الواحد، لا من باب إنكار الخلاف؛ حرصًا على اجتماع الناس وعدم تشويش العامة.
وللإنصاف، نعم قد أشار الذهبي إلى أن العالم يفتي بمذهب أهل بلده حتى لا تضطرب أحوالهم.

بل إن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أكد على أن العامي (في البلاد الأخرى) يلزم بقول علماء بلده، سداً لباب الفوضى.

وفي أحد الفتاوى : قد أحال السائل المصري إلى شيخ الأزهر. واعتبر اتباع العامي لفتوى مفتي بلده – ولو كانت مرجوحة – عذرا شرعيا معتبرا.

= ومن هنا يتبيّن أن القسط الأكبر من الخطأ لا يقع على العلماء – وإن كان عليهم جزء أيضًا من الخطأ- ، لكن على الأتباع والمقلدين بشكل أكبر، لأنهم انتزعوا هذه الفتاوى من سياقها المكاني ، وحولوها إلى ثقافة عابرة للبلدان.. بل للقارات!! ، ثم شددوا فيه أكثر من شيوخهم، وضيقوا ما وسّعه العلماء

يتبع.. ،،

==

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٤)/ المأخذ الرابع: عدم تدريس الخلاف العقدي.. وآثاره السيئة/ تحريرات عقدية/
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٢)/ثانيًا:النزعة القدرية تجاه مسائل العقيدة/ تحريرات عقدية/