اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٣)/ مؤاخذة رقم 13: غياب الدراسات البنيوية في العلوم الشرعية عند السلفية المعاصرة/ تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٣)
مؤاخذة رقم 13: غياب الدراسات البنيوية في العلوم الشرعية عند السلفية المعاصرة:

يلاحظ أن معظم السلفيين المعاصرين يدرسون العلوم الشرعية منفصلة ومنعزلة عن سياقاتها: فقه وحده، أصول وحدها، تفسير وحده، حديث وحده.. مع إغفال كامل لـ(تاريخ العلم ونشأته وفلسفته ومدارسه ) أو ما يمكن أن نسميه الدراسة البنيوية التي تربط العلوم بسياقاتها ، وتكشف تاريخها وفلسفتها ومنطلقاتها، وتظهر كيف نشأت المذاهب وتطورت، وما أتاحته الشريعة من تيسير على الناس، وكيف انسجم النص الشرعي مع واقع الحياة عبر العصور.

غياب هذه الدراسة ليس ثغرة بسيطة، بل هو فجوة معرفية تجعل الطالب يظن أن القول الذي تعلمه هو الحق المطلق، وأن كل اختلاف معه هو بدعة أو خطأ، دون أن يفهم سياق ظهور هذا القول أو ذاك.

من دراسات البنيوية المهمة:
تاريخ المذاهب الفقهية، وكيف نشأت؟، وسبب اختلاف أهل الرأي وأهل الحديث ومنطلق كل فريق، وكيف تطورت المدارس الفقهية على مر العصور، وأهم رموزها، ودور هذه المدارس في المرونة في تطبيق الشريعة، وإيجاد حلول لمشاكل مر بها المسلمون. ودور هذا كله في بيان محاسن الشريعة وإعجازها.

هذه الدراسات التاريخية = تمنح الطالب سعة صدر وفهمًا للآخر، وتقيه من التطرف والغلو، وتجعله قادرًا على التمييز بين الاختلاف المشروع والبدعة الحقيقية.
بل وتجعل طالب العلم مُحبًا لتراث الأمة، وتجعله قادرًا على الدفاع عنه أمام الغير.

الغريب أن الدراسة البنيوية أو التاريخية الوحيدة التي يحرص عليها السلفيون بجدية هي علم الحديث؛ حيث يُدرَّس تاريخه، ومناهجه، ومدارسه، واختلاف النقاد، وعلل الروايات.

وهذا لا يرجع إلى وعيهم المنهجي، بقدر ما تفرضه طبيعة علم الحديث نفسه، إذ هو علم استقرائي لا يمكن فهمه إلا عبر معرفة سياقه وتطوره.

أما بقية العلوم، فالجفاف الفكري فيها واضح، وغياب السياق يؤدي إلى تحويل الخلاف الفقهي إلى خلاف عقدي أو بدعي، وذلك لأن الطالب لا يدرك أصل القول ولا سبب نشأته، فيطبقه حرفيًا أو يرفضه بلا فهم.

غياب هذه الدراسات لا يعني فقط فقدان المعرفة بل يؤدي إلى جمود الفكر، وشدة في الإنكار، وضيق أفق الفكر الديني، ويجعل الكثير من الشباب يظن أن أي رأي مخالف هو خطأ فادح مع أنه جزء من تراكم علمي طويل، وحكمة شرعية مدروسة.

من آثار غياب هذه الدراسات أن الطالب قد يُنكر قولا فقهيا مشهورًا عند مذهب كامل، لا لأنه خالف النص بل لأنه لم يدرسه إلا خارج سياقه. فيتصور أن المسألة محسومة فقهيا ، مع أنها كانت محل اجتهاد معتبر عبر القرون، تداولها الأئمة، وبنوا عليها عمل الناس، دون أن يروا فيها خروجًا عن السنة ولا عن منهج السلف.

ومن أوضح الأمثلة على أثر غياب هذه الدراسات البنيوية:

الموقف العدائي الذي يتبناه بعض السلفيين المعاصرين تجاه المذهب الحنفي. فلو أن الطالب درس نشأة هذا المذهب، وتقعيده الأصولي الدقيق، ومنهجه في الاستنباط = لأدرك حجم الثراء الفكري الذي أدخله الأحناف على المدونة الفقهية الإسلامية .
حيث تعامل مع النوازل، وبنى أصولا في القياس والاستحسان وسد الذرائع، مكّنته من إيجاد حلول لمسائل معقدة واجهت المجتمعات الإسلامية.

إن إدراك هذا البعد التاريخي والمنهجي يُبدّل النظرة من الخصومة إلى الفهم، ويجعل الخلاف مع بعض اختيارات المذهب خلافا علميا لا موقفًا عدائيا ويمنع اختزال مدرسة فقهية في بضعة مسائل خالف فيها ظاهر الحديث عند بعض المتأخرين، دون فهم السياق الذي نشأت فيه تلك الاختيارات ولا المنظومة الأصولية التي أنتجتها.

المنهج السلفي في ذاته لم يكن يوما منقطعا عن التاريخ ولا غافلا عن السياق، بل إن كتب الأئمة مليئة بإدراك الخلاف وتعليل الأقوال، ومراعاة الأحوال. وإنما الإشكال في نمط التلقي المعاصر، الذي اختزل المنهج في نتائج وقطعها عن مسارات تشكلها

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٢)/المؤاخذة الثانية عشرة: عدم ضبط السلفية لباب البدعة/ قناة تحريرات عقدية /
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١١)/ المؤاخذة الحادية عشر: الغلظة في الخطاب وعدم فقه الدعوة/ منقول / تحريرات عقدية /