سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٠)
المؤاخذة العاشرة: نقل التجربة النجدية خارج سياقها وتقليدها بلا فقه اختلاف البيئات:
____
من المآخذ المنهجية على السلفية المعاصرة والتي لم يُنتبه إلى أثرها كما ينبغي – نقل تجربة إصلاحية تاريخية محددة نشأت في سياق بيئي واجتماعي خاص= ثم تحويلها إلى نموذج معياري يُفرض على بيئات أخرى مغايرة، دون مراعاة الاختلاف في السياق الفقهي والاجتماعي، أو فهم أولويات الإصلاح
فالتجربة النجدية – في أصلها- كانت تجربة إصلاحية جادة.. لها أولوياتها الخاصة وأدبياتها وبعض الآراء الفقهية التي تناسب بيئتها . وهي اجتهادات يمكن فهمها في سياقها البيئي والتاريخي، ولا يصح إنزالها منزلة الأحكام العامة الملزمة لكل البيئات
وهذا الفهم ليس من كيسي، بل إنّ زعماء الإصلاح كانوا مدركين لهذا المعنى جيدًا.
وقد نبّه إلى هذا المعنى محمد جلال كشك في كتابه (السعوديون والحل الإسلامي) ، حين تحدث عن تحفظات النجديين وآرائهم الفقهية ، وبيّن أن لهذا التحفظ أصولًا تعود إلى عوائدهم وظروفهم، وأن هذا الفهم لا يقتضي هدمهم ولا تسفيههم، بل يُفهم ذلك بحسب سياقهم التاريخي والاجتماعي.
والسيد رشيد رضا والجمال القاسمي – مثلًا – كانا يمدحان الدعوة النجدية ويثنيان على جهودها الإصلاحية، مع علمهما بأدبياتها المتحفظة، ومع إدراكهم التام أن هذه التجربة لا تصلح للاستنساخ الحرفي في مصر أو غيرها، لاختلاف البيئات والحاجات وأولويات الإصلاح.
لذلك كان السيد رشيد رضا وتلامذته من الأزهر الشريف= هم الذين يديرون الدفة في مصر، وإن اتفقوا مع النجديين في الفكرة الإصلاحية
وقد عبّر الدكتور محمد عمارة – رحمه الله – عن هذا المعنى بوضوح في كتابه (السلفية) حين قرر أن المشروع النجدي كان إصلاحيًا بحسب أولوياته البيئية والاجتماعية، وأنه انتقى من تراث ابن تيمية ما يخدم تلك الأولويات.
هذا الفهم العميق كان مستقرا عند العلماء الراسخين، غير أن الخطأ الفادح وقع عند الأتباع، خصوصًا في جيل الصحوة الإسلامية، حين جرى التعامل مع التجربة النجدية – بجميع اجتهاداتها – وكأنها هي (السلفية) ذاتها، لا بوصفها تجربة إصلاحية جزئية لها سياق مخصوص. فتم نقلها إلى مصر وغيرها- دون فقه لاختلاف البيئة، ولا مراعاة للواقع الفقهي والاجتماعي، ولا للحس الديني العام، ولا لأولويات الإصلاح الحقيقية.
وهنا لم تكن الأزمة في التجربة النجدية ذاتها ، بل في تقليدها الأعمى ونقلها خارج سياقها، حتى تحولت اجتهادات فقهية إلى قواعد شاملة، وأقحمت قضايا عقدية وفقهية في بيئات لم تكن بحاجة إليها.
وإن من أصول السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية = أن الفتوى تتغير بتغيّر الزمان والمكان، وما يناسب بيئة قد لا يناسب أخرى… هذه قواعد أصولية نص عليها الفقهاء.
وهذا ما نبّه إليه العلامة ابن عثيمين – رحمه الله – حيث كان يذكر دائماً أن العوام في كل بلد عليهم أن يُقلدوا فقهاء بلدهم.
وأذكر أنني قد عرضتُ كلام ابن عثيمين هذا على احد السلفيين قديماً، فقال لي : هو يقصد تقليد علماء البلد السلفيين!!
قلتُ: هيهات ، فلم يكن ابن عثيمين عنده هذه الحزبية التي عند أبناء الصحوة. بل كان يقصد علماء البلد الرسميين ومذهب الدولة العام، حتى لو كان لديهم بدع ، وله كلام واضح في هذا المعنى .. لن أنقله الآن حتى لا يطول المقام.
المقصود: أن السلفية المعاصرة – بنسختها الصحويّة- قد شوّهت مشروعًا إصلاحيًا بشّر به المصلحون، وتلقّاه الأزهر بالقبول على مدار القرن الماضي، وكان من الممكن – لو تهيأت له كوادر علمية – أن يغيّر وجه العالم الإسلامي.
غير أنه بعد وفاة أكابر السلفية المصرية (السلفية المنفتحة) ، أمثال السيد رشيد رضا وتلامذته من الأزهريين، ومحب الدين الخطيب، وآل شاكر ومحمود شاكر. ثم الدكتور رشاد سالم = انحسرت هذه المدرسة، ولم يبقَ منها إلا حضور أكاديمي محدود في بعض الأسماء، كالدكتور الجليند ومن نحا نحوه، حتى أصابها ما يشبه الانقراض الفكري.
(ملحوظة حتى لا يلتبس الأمر على القاريء : السلفية المصرية المقصودة = لا يدخل فيها الدعاة المشاهير )
ومع هذا الانحسار لهذه المدرسة المعتدلة، لم يُنجب الواقع المصري مصلحين سلفيين حاذقين، في ظل غلبة تيار الصحوة المتشدد؛ وهو تيار أقل رسوخًا في العلم، وأضعف فهمًا لمقاصد الشريعة، وإن كانوا أكثر عددًا وانتشارا وتأثيرًا.
وقد حمل أصحابه تجربة البيئة السعودية وحاولوا استنساخها في مصر دون فقه لاختلاف السياقات والبيئات، بل وزادوا عليها أفكار دخيلة مثل التكفير والقطبية وأمور أخرى = فانقلب الأزهر عليهم – في النهاية- بعدما كان يمدحهم دهرًا طويلاً…!
وبهذا الانقلاب، انتقل الخطاب الأزهري – للأسف – إلى الضد.. فخالفوا أسلافهم من الأزهريين ، ومالوا إلى نُصرة شرك القبور والخرافات، وتعصبوا للأشعرية، ظنًا منهم أن ترك هذه المناهج هو الذي مكّن للفكر المتشدد، وهو سوء فهم منهم، وسوء تقدير. دفع ثمنه المنهج الوسطي المعتدل.
يتبع…
===
تتمة:
والنتيجة = اختلط على كثيرين الفرق بين إصلاح في سياق محدد، وبين منهج شامل يُفرض على الجميع وظهر خطاب ضيق متشنج أدخل السلفية في صدام مع تراث الأمة، وأساء إلى شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه، حين حصروا مشروعه في مسائل جزئية، وصوروه وكأنه داعية صدام، لا مفكرًا متوازنًا.
ولو أُحسنوا التعامل مع التجربة النجدية بوصفها تجربة إصلاحية في سياق مخصوص، ولو كان عندهم فقه المقاصد والأولويات = لما وقعوا في الخلل، ولا تركوا المجال لخطابات مضادة أعادت صياغة التراث على أهوائها.
أعود وأقول: إن الخطأ هنا لم يكن في التجربة النجدية ذاتها (فهي تجربة شريفة) ، بل في تحويلها من تجربة تناسب البيئة السعودية إلى نموذج مقدس يُفرض بجميع كلياته وجزئياته واجتهاداته ثم نقله إلى بيئات أخرى دون إدراك للبيئة وسياقها الفقهي والاجتماعي.
وهذا من أعظم المآخذ على السلفية المعاصرة، وبه يُفهم إخفاقها، وخروج كثيرين من عباءتها، لا رفضًا للسنة، ولا بغضًا للسلف، بل بحثًا عن الإسلام في سعته التاريخية، وعمقه الحضاري، ودفئه الجامع
ولو أُدير هذا الملف بعلم وحكمة زعماء الإصلاح = لكانت السلفية جسرًا من جسور النهضة، لا أحد عوائقها.
===
ملحوظة:
المؤاخذة السابقة ليست مجرد مؤاخذة عابرة، بل هو تحليل سوسيولوجي–منهجي غاب عن الأطراف المتنازعة اليوم ، وفيه مفتاح تفسيري مهم غاب عن الإخوة الناقدين للسلفية.. ممن انتقدوها دون استيعاب للتاريخ الفكري.
وأيضًا فيه جواب عن السؤال المُلغز الذي تم طرحه في كتاب من انتقدوا السلفية : (لماذا مدح زعماء الإصلاح السلفية رغم مشاكلها المعاصرة؟)
ولم يستطيعوا الجواب عليه بجوابٍ شاف؛ لغياب هذا التفسير عن أذهانهم.