سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١)
هذه حلقات عن مآخذ السلفية المعاصرة، لا أكتبها على وجه الترتيب، ولا أدعي فيها الاستقصاء، بل أدوّن ما يطرأ على ذهني في لحظته، وقد يكون بعض المآخذ هو أولى بالذكر وأظهر ، لكنه لا يحضرني في حينه، فأستدركه متى حضرني إن شاء الله . فلا يُفهم من التقديم أو التأخير حكم بالأهمية، وإنما هي ملاحظات متفرقة تُكتب كما تأتي، قصدها التنبيه وفتح باب النظر…
—
المأخذ الأول : إهمال مقاصد الشريعة:
من أكثر ما أراه يُؤخذ على السلفية المعاصرة ضعف الاشتغال بعلم مقاصد الشريعة، وهو تقصير لا بد من الاعتراف به. ويظهر هذا الضعف بوضوح إذا ما قورن بمدرسة السيد رشيد رضا، التي يمكن وصفها بأنها مدرسة مقاصدية بامتياز، حيث كان الوعي بالمآلات والمصالح حاضرًا في مشروعها الفكري والإصلاحي.
أما الغالب على السلفية التقليدية، فهو تضييق شديد لمجال المقاصد، لا من جهة طعنهم في العلم ذاته، ولكن من خلال إهماله ، أو عدم تفعيله، أو تضييقه جدًا بحيث يُفرَّغ من محتواه الحقيقي، بل ويُنظر إليه كونه مدخلًا يتسلل منه التمييع أو هدم الدين.
هذا الموقف للأسف هو ثمرة نزعة نصوصية جافة، تتعامل مع الشريعة بوصفها مجرد نصوص مجردة عن العلل والمصالح والمآلات. وهذه النزعة، في صورتها الشائعة اليوم، لا تمت بصلة إلى السلفية بمعناها الحقيقي، بل تمثل انحرافًا عنها.
بل المفارقة العجيبة= أن ابن تيمية وابن القيم كانا من كبار المقاصديين في زمانهما. وقد ذهب بعض أهل العلم، كالشيخ بكر أبو زيد وغيره، إلى أن الإمام الشاطبي في كتابه ( الموافقات) قد استفاد من كتاب (إعلام الموقعين) للإمام ابن القيم.
وكلام ابن القيم في هذا الباب أشهر من أن يُذكر، ويكفي قوله: (حيثما وُجدت المصلحة فثم شرع الله)
وقوله الآخر المشهور : (الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها)
وقد أتى ابن القيم في هذا الكتاب، في أبواب المصلحة والمقاصد، بما يبهر العقول، حتى أصبح كل من يصنف في هذا العلم – سواء أشعري أو سلفي – لا يكاد يستغني عن الاستدلال بكلامه والاقتباس منه.
وابن القيم في هذا الباب إنما هو ثمرة من ثمار شيخ الإسلام ابن تيمية، بل نقل عنه كثيرًا من تقريرات المقاصد.
ومن اختزل ابن تيمية في مسألة الأسماء و الصفات= فهو إنسان سطحي لا يكاد يعرف شيئًا عن مشروعه الحقيقي؛ إذ لا يمكن فهم ابن تيمية إلا بوصفه صاحب مشروع مقاصدي واضح المعالم.
ويتجلى البعد المقاصدي في كلام ابن تيمية عن جلب المصالح ودرء المفاسد، وفي تقريره لتفاوت الأحكام باختلاف الأزمنة والأمكنة، وفي حديثه عن تحقيق العدل بوصفه غاية من غايات الشريعة، وفي تنزيله للنصوص على الواقع.
ومن أشهر أمثلته:
-كلامه عن النجاشي وعدم قدرته على تطبيق أحكام الشريعة وبقاء يوسف عليه السلام بين الكفار للمصلحة الغالبة.
– وكلامه عن بعض القضاة الذين لا يستطيعون إنفاذ الحكم الشرعي، فيكون بقاءهم لتنفيذ العدل بحسب استطاعتهم.
-كلامه عن التتار وعدم جواز نهيهم عن شرب الخمر، ورأي أنه من الافضل أن يشربوا الخمر، لأنهم إذا أفاقوا عاثوا في الأرض فسادًا.
– رأيه بجواز أن يغير المسلم هيئته ويوافق الكفار إذا كانت هناك مصلحة، خلافًا لفتوى الشيخ عليش الأشعري التي قضت بضرب رقاب من يلبس البرنيطة.
وغيرها الكثير والكثير من آرائه المقاصدية.
—
(تنبيهات مهمة للإنصاف) :
هذا التقصير وإن كان هو الغالب على الخطاب السلفي والعقل الجمعي لهم، لا يعني انعدام المقاصد عند آحاد علمائهم -بنسب معينة-.
فللشيخ صالح آل الشيخ – مثلاً- محاضرة في المدخل إلى دراسة علم المقاصد الشرعية. وللشيخ الألباني أيضًا كلام جيد ومفيد في مقاصد الشريعة والمصالح – وإن كان الألباني خارج المدرسة النجدية-.
كما أن المدرسة النجدية نفسها، رغم تقصيرها، لا تخلو فتاوى علمائها من مراعاة المقاصد في ثنايا الفتاوى . فالشيخان ابن باز وابن عثيمين لهما تطبيقات في فتاواهما راعيا فيها جلب المصالح ودفع المفاسد.
ومن الأمثلة الجيدة في مراعاة (دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما) = القبة الخضراء في المسجد النبوي، حيث أرادت حركة إخوان من أطاع الله هدمها، فرفض النجديون ذلك، وأرسلوا العلامة عبد الله بن بليهد ليناظرهم، وأقنعهم بأن المصلحة في بقائها لأن الناس لن تفهم الحكم الشرعي، واحتج عليهم بكلام ابن القيم في إعلام الموقعين عن ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وردّها إلى قواعد إبراهيم خشية الفتنة.
ورغم هذه الأمثلة، يبقى الغالب على الخطاب السلفي = قلة الاهتمام بعلم المقاصد، بل وتضييقه جداً، في مقابل جمودهم على النص.
على الجانب الآخر، فإن بعض الحداثيين يغالون في هذا العلم إلى حد يجعلون الشريعة مجرد مصالح بلا ضوابط ولا معايير، مما يفضي إلى التفلت من الأحكام الشرعية، وهو مسلك مذموم أيضا ، إذ اتفق الأصوليون على أنه لا يجوز استنباط معنى يعود على الأصل بالإبطال..