الجهل في اللغة والهوى والتعصب أسباب زيغ قلوب الوهابية ؟؟!!
بقلم : الباحث الإسلامي د.عماد الدين دحدوح
في عالمٍ يتكاثر فيه المتكلمون بغير علم، ويكثر فيه المتصدرون للجدل في أرفع مسائل العقيدة، تبرز ظاهرةٌ مؤلمة تكشف عن عمق الجهل المستتر خلف شعارات ظاهرها التوحيد وباطنها الخلل في الفهم. من المؤسف أن ترى من لم يُحسن النحو ولا البيان، ولم يذق من بلاغة العربية إلا طرفًا يسيرًا، يخوض في ذات الله وصفاته وكأنها ساحة مفتوحة لكل متكلم. إن الجهل باللغة، وهو مفتاح القرآن ومعين الفهم، لا يجرّ صاحبه إلا إلى الخوض في متاهات الوهم، إذ كيف لمن لم يعرف أسرار اللفظ ودلالاته أن يزعم إدراك المعاني الإلهية العميقة التي لم يتهيأ لها إلا من صفا عقله، وزكت روحه، وتهذب علمه؟
إن الوهابية، في كثير من صورها، قامت على قراءة جامدة للنصوص، تجرّدها من سياقها البياني وتغفل عن بلاغتها التي هي جسر المعنى وروح الخطاب. وما من أحدٍ يُعرض عن البلاغة إلا انغلق عليه فهم القرآن، لأن لغة التنزيل ليست سطحية المعنى، بل هي لغةٌ ذات مستوياتٍ متعددة، لا يدركها إلا من تمرّس بعلم البيان والبيان. فحين تسمع أحدهم يقول: «المجاز طاغوت» وتراه في الوقت نفسه يفسّر النصوص تأويلًا ويقع في المجاز من حيث لا يشعر، تدرك أن المسألة ليست في النص ذاته، بل في قصور الفهم وتناقض الفكر.
لقد جعلوا من المجاز صنمًا يحاربونه، وهم غارقون فيه من أقدامهم إلى رؤوسهم، لأن اللغة في أصلها قائمة على المجاز. بل لولا المجاز ما أمكن التعبير عن الغيب، ولا عن صفات الله التي لا تُدرَك بالحواس. فكيف ينكرون المجاز وهم يؤولون قوله ( وهو معكم أينما كنتم ) وقوله : ( فأينما تولوا فثم وجه الله) أليس هذا تأويلًا ومجازًا في ذاته؟ ولكنّهم لا يشعرون، لأن التقليد أعمى، والتعصب يحجب بصيرة الإنسان عن رؤية الحقيقة. فيتكلمون هنا عن السياق ويفصلون القول في المعية ويتركون السياق في كثير من آيات الصفات !!!
ومن الغرابة أن تراهم يرفضون قراءة كتب الأشاعرة وسائر المدارس الإسلامية التي أغنت الفكر الإسلامي عبر القرون، وكأن العلم يُحجب بفتوى شيخ أو تحذير من عالم متعصب. إنهم لا يكلفون أنفسهم عناء الاطلاع على فكر الآخر، لأنهم تربّوا على الخوف من السؤال، وعلى أن كل فكر خارج مدرستهم بدعة وضلال. لكنّ الفكر لا يزكو إلا بالحوار، والعقل لا يتفتح إلا بالمقارنة، والحق لا يُعرف إلا بالنظر في جميع الوجوه.
لقد رأينا من بينهم من يهاجم الأشاعرة وهو لا يعرف الفرق بين الجوهر والعرض، ولا بين المتشابه والمحكم، ولا يدرك أن قضية الصفات الإلهية ليست معركة لغوية فحسب بل رحلة عقلية وروحية نحو تنزيه الله عن مشابهة الخلق. فكيف يتجرأ من لم يتقن العربية على تفسير كلام الله، وكيف يصف من لا يعرف البيان بأن غيره مبتدع أو ضال؟ إن الجهل باللغة ليس نقصًا في الحرفة فحسب، بل هو انغلاق في الفكر وضيق في المدارك، لأن اللغة ليست أداة للتعبير فحسب، بل وسيلة للفهم والتأمل.
يكتب أحدهم بألف ممدودة (استوى) ويتبع الهوى ويزعم أنه لفهم السلف قد احتوى .. والحق أنه في بحر الضلالة والزيغ قد هوى ..
ولو أنهم أخلصوا النية في طلب الحق، وجرّدوا عقولهم من التعصب، وقرؤوا النصوص بعين الباحث لا بعين المقلّد، لتغيّرت نظرتهم، ولأدركوا أن الحقيقة أوسع من حدود المذهب، وأن فهم السلف لا يتناقض مع فكر الخلف إلا عند من أساء الفهم. إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهذه الآية تضع المفتاح الحقيقي لأي نهضة فكرية: التغيير يبدأ من الداخل، من مراجعة المعتقدات واليقينيات التي ورثها الإنسان دون نظر.
وأول خطوةٍ في طريق الهداية هي التجرد من الهوى، ونبذ كل انتماء مسبق، والدخول إلى ساحة الفكر بعقلٍ خالٍ من الأحكام المسبقة. فالذي يقرأ وفي ذهنه أن الأشعري مبتدع، لن يرى في كتبه إلا ما يؤكد تهمته، أما الذي يقرأ بعين منصفة فسيرى في الفكر الأشعري عمقًا واعتدالًا وحرصًا على التنزيه لم تدركه العقول الحسية. إنهم يظنون أن كل ما لا يُدرك بالحس باطل، فمالوا إلى التشبيه، وغفلوا عن أن الله ليس كمثله شيء، وأن الصفات الإلهية لا تُقاس بموازين المخلوقات.
لقد صار من الضروري أن ينهض بين المسلمين جيلٌ جديد يتحرر من أسر الجمود، ويعيد النظر في الموروث لا بغرض الهدم، بل بغرض الفهم. فليس المقصود الطعن في السلف، ولكن المقصود ألا يُتخذ السلف ستارًا لحجب العقل. إن من يقرأ كتب الأشاعرة والماتريدية بإنصاف يدرك أن جوهرها تنزيه الله عن الحد والجهة والجسم، وأنها لم تكن خروجًا عن التوحيد، بل دفاعًا عن التوحيد ضدّ التشبيه والتجسيم.
ولو أدرك الوهابي أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، بل هي مرآة الفكر، لما تجرأ على تأويلاتٍ تنسب إلى الله ما لا يليق به. فالذي يجهل المجاز يجهل نصف العربية، والذي يجهل العربية يجهل نصف الدين، لأن الدين نزل بلسانٍ عربي مبين. ومن لم يفقه لسان العرب لم يفقه القرآن، ومن لم يفقه القرآن لا يحق له أن يناقش في ذات الله.
إن الطريق إلى الفهم الصحيح يبدأ بالعلم، والعلم يبدأ بالاعتراف بالجهل، والاعتراف بالجهل يفتح باب التواضع، ومن تواضع لله رفعه. أما من ظن أنه وحده على الحق، وأن غيره ضالّ مبتدع، فقد أغلق باب الرحمة على نفسه، وجعل من فكره سجنًا يحول بينه وبين نور الحقيقة. إن ما نحتاجه اليوم ليس جدالًا عقيمًا ولا تعصبًا مذهبيًا، بل قراءة جديدة للنصوص في ضوء اللغة والعقل والروح، تردّ الدين إلى صفائه الأول وتعيد للعقل مكانته في الإيمان.
ولعلّ أعظم ما يختم به هذا القول أن الله لا يغيّر ما بنا حتى نغيّر ما بأنفسنا، وأن التغيير لا يكون إلا بصدقٍ وتجرد، وبالتحرر من الخوف والتقليد، وبالشجاعة في النظر في كل ما حُجب عنا باسم الدين. فحين يطهُر القلب من التعصب، ويتنزه العقل عن الغرض، يتجلى النور، ويصبح الدين جمالًا ومعرفة، لا سلاحًا في يد الجهل ولا رايةً للتكفير.