مقالات قيمة حول البدعة

البدعة المحمودة من محدثات الصحابة الاستعانة بالفاتحة (منقول)

البدعة المحمودة
من محدثات الصحابة
الاستعانة بالفاتحة

يقال للوهابي ابن العثيمين:

أولا: جرى العمل بقراءة سورة الفاتحة في الدعاء وخطبة النكاح وعند استفتاح مجالس الخير وفي الملتقيات العلمية ولقضاء الحوائج وغيرها من المناسبات والمحطات ومدلهمات الخطوب..فلا يزال المسلمون يعتقدون خصوصية “أم الكتاب” وعظيم آثارها، بها يستنزلون الرحمات، وبها يستمطرون البركات، وإذا استفتح بها ربنا كتابه العظيم الذي قال فيه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[المزمل:5] فكيف لا يستفتح بها عبده الضعيف كل شؤونه وأموره طلبا للمعونة: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] والهداية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] من ربه؟!..

ثانيا: تقرر في الأصول أن المطلق يجري على إطلاقه حتى يثبت في الشرع ما يخصِّصه، فإذا شرع جل وعز أمرا على سبيل الإطلاق أو العموم فلا يجوز تقييده ولا تخصيصه بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا أدى ذلك إلى تضييق ما وسَّعه الشارع الحكيم وإبطال العمل بعمومات النصوص، وبالتالي تبديل أحكام الشريعة الغراء، وهذا هو سبيل البدعة الضلالة.
وكذلك إتيانه صلى الله عليه وآله وسلم ببعض أفراد العموم أو المطلق لا يقتضي تخصيص العموم ولا تقييد الإطلاق إلا إذا دل دليل على النهي.

نعم، فقد رغَّب الشارع في قيام رمضان ولكن لم يرد أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ولا رتَّب ذلك في المسجد، ولا حدَّها بعدد معيَّن من الركعات، ولا رتَّب الختم ليلة 27 أو 29..الخ وهذا لا يعني بوجه أن ما توارد المسلمون على فعله منذ عهد الفاروق عمر -رضي الله عنه- في قيام رمضان..يعد بدعة ضلالة.

ولقد رغَّب صلى الله عليه وآله وسلم في صيام التطوع، ولم يرد أنه صلى الله عليه وآله وسلم صام تطوعا شهرا بتمامه، ولا يقتضي هذا الحكم بالبدعة على من أتى بهذا التطوع على هذا الوجه.

وهكذا قل في قراءة القرآن والاستغفار والهيللة والسبحلة والحسبلة والحوقلة والحمدلة..الخ.

فهل ورد في الشرع النهي عن قراءة الفاتحة على وجه التبرك في مجالس الخير أو في الدعاء أو غيره؟ الجواب: طبعا..لا..

إذن: فمن نهى عن ذكر الله تعالى أو الدعاء أو قراءة القرآن أو أي عبادة أطلقها الشارع: نهى عنها في مكان دون مكان أو زمان دون زمان أو حال دون حال أو وجه دون وجه لم يرد في الشرع النهي به على هذا الوجه..فنهيه باطل في باطل لأنه يكون بنهيه هذا قد أبطل العمل بعمومات الشريعة..وهذا فيه ما فيه..

ثالثا: لا حرج في تخصيص بعض الأمكنة والأزمنة بعبادة أطلقها الشارع الحكيم ما لم يثبت دليل بالمنع..

قال الأستاذ الشيخ عبد الله محفوظ محمد الحداد باعلوي -رحمه الله-: ((وتخصيص بعض الأزمان بعبادة أو خير لا يخرج عن طلب الشارع المطلق ولا يعارضه ولا يخالفه، فقد وقت بعض الصحابة المطلقات وأقر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعلهم، كما وقت بلال الصلاة بعد كل وضوء، ووقت خباب فسن لكل مقتول صبرا ركعتين، وقبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خصص: {قل هو الله أحد}[الإخلاص:1] في كل ركعة قبل القراءة أو بعد القراءة يختم بها، وقبل تخصيص قيام الليل كله بل وكل ليلة بها، وكل ذلك وغيره أقره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأقصى غايات الإقرار والرضا والتبشير بالجنة أو بمحبة الله وبغير ذلك.
ودعا أناس منهم بدعوات وأذكار في الصلاة غير مأثورة فكانت موضع القبول، وهكذا في كثير من الحوادث…
فقول المانعين: إنه لا تحديد لما لم يحدده الشارع!: كلام باطل مناهض لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته التي اتبعها وسلكها مع الصحابة الكرام وأمر بالتمسك بها بعده، فهذا أبو هريرة يجعل له وردا كل يوم من الاستغفار اثني عشر ألف مرة. وكان لسعد بن أبي وقاص كيس من النوى لا ينام حتى يسبح به ويستنفده.

فليس على من حدد المطلق حرج لعدم المانع، بخلاف من يطلق ما يقيده الشارع لأن قيده كالشرط، والذي قيد نفسه فيما أطلقه الشارع إنما أتى خيرا ودافعا للمداومة التي يحبها الشارع بل وكانت من طريقته، فقد كان إذا عمل عملا داوم عليه، وكان يحب من العمل ما داوم عليه صاحبه. وهذا دليل على تحبيذ تقييد المطلق للمداومة عليه، ويستتبع ذلك بالضرورة جواز تخصيص الزمان والمكان بالعبادة لأن ذلك منه لم يصادم نصا.
فقولهم: لا يجوز تخصيص ما لم يخصصه الشرع!: كلام غير صحيح ولا دليل عليه، بل الدليل على خلافه؛ لأن نهي الشارع عن التخصيص جاء لأشياء معينة كالنهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام وليلتها بقيام. فإذا قلنا بمقالتهم: لم يكن لنهي الشارع عن تعيين النهي عن التخصيص معنى!، مثلا: لو خصص أحد يوم الأربعاء بالصيام وقلنا: إن ذلك ممتنع! فتجاوزنا بذلك تخصيص الشارع النهي بيوم الجمعة! فلم يبق لتخصيص الشارع معنى؟! ويكون بذلك قد ألغى كلام الشارع بل تجاوزه وتعداه: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}[الطلاق:1]، و{تلك حدود الله فلا تعتدوها}[البقرة:229].

لذلك قلنا: إن تخصيص المسلم لما لم يرد نص بالنهي عن تخصيصه جائز بل مرغب فيه لأنه من الديمة التي رغب الشارع فيها وكان يحبها)) [السنة والبدعة (ص:206-207)] وهو تحقيق بديع.

رابعا: روى ابن أبي شيبة في المصنف (29602) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت: “من قرأ بعد الجمعة #فاتحة_الكتاب، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس حفظ ما بينه وبين الجمعة”.

وأخرج أبو الشيخ في “الثواب” عن عطاء قال: “إذا أردت حاجة فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها. تقضى إن شاء الله.”[الدر المنثور في التفسير المأثور للحافظ السيوطي (1/24].

وهذا لم يرد بتوقيف من حضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم..فلتحكموا -وفق فهمكم المغشوش- على من قال به من الصحابة الكرام أو أيمة السلف: بالبدعة الضلالة!..

وجاء في صحيح البخاري (7375): ((عن عائشة أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب: ﴿قل هو الله أحد﴾[سورة الإخلاص]، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال: “سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟”، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: “أخبروه أن الله يحبه”)) الحديث ((فإذا جاز التزام قراءة سورة داخل الصلاة، فمن باب أولى جوازه خارجها)) كما أفاد الأستاذ عبد الوهاب مهية الجزائري [ البدعة الحسنة بين إقرار السلف وإنكار الخلف (ص:252)]..

وروى الترمذي (2063): عن أبي سعيد الخدري قال: “بعثنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في سرية فنزلنا بقوم، فسألناهم القرى فلم يقرونا، فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟ قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا فقرأت عليه: الحمد لله سبع مرات، فبرأ وقبضنا الغنم، قال: فعرض في أنفسنا منها شيء فقلنا: لا تعجلوا حتى تأتوا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: فلما قدمنا عليه ذكرت له الذي صنعت، قال: وما علمت أنها رقية؟ اقبضوا الغنم واضربوا لي معكم بسهم”.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

فكيف خص هذا الصحابي الرقية بقراءة “الفاتحة” سبع مرات بالتحديد دون غيرها من الكيفيات المحتملة إذا لم يكن هذا صدر منه عن اجتهاد لا يخالف أصول الشريعة في إحداث ما لم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم؟! لأجل هذا أقره الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الاحداث ولم يقابله بحديث: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”! وهذا لأن الصحابي -رضي الله عنه- أحدث هنا “ما هو منه” أي على وفق أصوله ولا يخالف القواعد العامة للشريعة..فهذا دليل ساطع على أن لهذه السورة خصوصية عظيمة، وأن آثارها وبركاتها لمن تحقق بها ظاهرا وباطنا مما لا يوصف بحد ولا يدرك بعد..فدعوى بدعية تخصيص الاستعانة بالفاتحة على وجه لم يرد بتوقيف منه صلى الله عليه وآله وسلم..مجرد دعوى باطلة..

خامسا: نص أيمة الإسلام على قراءة الفاتحة في مجالس الخير وغيرها طلبا للمعونة منه تعالى..ونخص بالذكر العلامة المحدث الملا علي القاري الحنفي والعلامة سيدي الصاوي المالكي وبعض أيمة المالكية كما تجده في “المعيار المعرب” للعلامة الونشريسي على ما أذكر..وكذلك بعض فقهاء المذاهب الأربعة..وحتى الإمام أحمد بن حنبل كان يرقي بها على وجه الخصوص كما نص ابنه عبد الله في مسائله..

ونختم بما ذكره الشيخ أبو حفص البزار في ترجمة شيخه ابن تيمية الحراني: ((وكنت مدة إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيرا من الليل، وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ؛ فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله، أعني: من الفجر إلى ارتفاع الشمس في تكرير تلاوتها))[الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص:38)]..فها هو شيخكم الأكبر ابن تيمية يستعين بالفاتحة ويلتزم قراءتها بكيفية لم ترد بتوقيف منه صلى الله عليه وآله وسلم..فلتحكموا عليه بالبدعة الضلالة؟!..

وكذلك قال ابن القيم في عظمة سورة “الحمد الأولى”، واستفتاح بها أبواب الخير ودفع أسباب الشر والضير والاستعانة بها لأجل سعادة الدارين..ما نصه: ((فاتحة الكتاب: وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها، وأحسن تنزيلها على دائه، وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها، والسر الذي لأجله كانت كذلك. ولما وقع بعض الصحابة على ذلك، رقى بها اللديغ، فبرأ لوقته، فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: “وما أدراك أنها رقية”.
ومن ساعده التوفيق، وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة، وما اشتملت عليه من التوحيد…وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة، والنعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه))[زاد المعاد (4 /318-319)]..

والله الموفق..

السابق
سلسلة هل ستتأولها أم ستحملها على الظاهر (الشيخ العويدل الشلاري الرفاعي)
التالي
التنزيهات تعني عبادة العدم وحرفة الوقيعة في العلماء (منقول)