قال الشوكاني في التحف في مذاهب السلف ط الصحابة (ص: 27): فالسلامة والنجاة فِي إمرار ذَلِك على الظَّاهِر والإذعان بِأَن الاسْتوَاء والكون على مَا نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة من دون تكييف وَلَا تكلّف وَلَا قيل وَلَا قَالَ وَلَا قُصُور فِي شَيْء من الْمقَال فَمن جَاوز هَذَا الْمِقْدَار بإفراط أَو تَفْرِيط فَهُوَ غير مقتد بالسلف وَلَا وَاقِف فِي طَرِيق النجَاة وَلَا معتصم عَن الْخَطَأ وَلَا سالك فِي طَرِيق السَّلامَة والاستقامة وكما نقُول هَكَذَا فِي الاسْتوَاء والكون فِي تِلْكَ الْجِهَة فَكَذَا نقُول فِي مثل قَوْله سُبْحَانَهُ وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَقَوله
مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَفِي نَحْو (إن الله مَعَ الصابرين) (إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون) إِلَى مَا يشابه ذَلِك ويماثله ويقاربه ويضارعه فَنَقُول فِي مثل هَذِه الْآيَات هَكَذَا جَاءَ الْقُرْآن إِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ هَؤُلَاءِ وَلَا نتكلف تَأْوِيل ذَلِك كَمَا يتَكَلَّف غَيرنَا بِأَن المُرَاد بِهَذَا الْكَوْن وَهَذِه الْمَعِيَّة هُوَ كَون الْعلم ومعيته فَإِن هَذِه شُعْبَة من شعب التَّأْوِيل تخَالف مَذَاهِب السّلف وتباين مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وتابعوهم وَإِذا إنتهيت إِلَى السَّلامَة فِي مداك فَلَا تجاوزه
وَهَذَا الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء … فَدَعْنِي من بنيات الطَّرِيق
وَقد هلك المتنطعون وَلَا يهْلك على الله إِلَّا هَالك وعَلى نَفسهَا براقش تجني .اهـ
=================
قال الألباني في «مختصر العلو للعلي العظيم» (ص268):
«327- وقال أبو عمر أيضاً1:
“أجمع علماء الصحابة والتابعين الذي حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} : هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله”.
303- قلت: في هذا النص رد صريح لما ذهب إليه الإمام الشوكاني في آخر “تحفته” “ص95-96″ المجموعة المنيرية ج2″ أن تأويل هذه الآية وآية {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} بالمعية العلمية إنما هو شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم.
كذا قال، وكأنه لم يقف على هذا النص من الحافظ ابن عبد البر، ولا على ما سبق من القول عن الأئمة الفحول كسفيان الثوري ومالك ومقاتل بن حيان الذي فسروا الآيتين بمثل ما نقل ابن عبد البر إجماع الصحابة ومن بعدهم عليه، فلا تغتر إذن بما زعمه الشوكاني من المخالفة، فإن لكل عالم زلة، ولك جواد كبوة»
==========
جاء في «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (1/ 275):
«نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذه شعبة من شعب التأويل (1)، تخالف مذاهب السلف، وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم
_________
(1) كذا قال رحمه الله، وليس هذا الصواب، بل السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم الذين فسروا هذه المعية بمعية العلم والاطلاع، ولعل الشوكاني لم يقف على أقاويل السلف في هذه الآيات عند تحرير الجواب؛ لأننا نجده في تفسير “فتح القدير” قد فسرها على مذهب السلف.
فقال: (5/ 166): (وهو معكم أين ما كنتم) أي: بقدرته وسلطانه وعلمه، وقال أيضًا (5/ 187): ومعنى (أينما كنتم) إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم، في أي مكان من الأمكنة.
قال الآجري في ” الشريعة ” ص 288: فإن قال القائل: فأيش معنى قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) [المجادلة: 7] التي بها يحتجون؟
قيل له: علمه عز وجل والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلفه، كذا فسره أهل العلم. والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم.
انظر ” مختصر العلو ” (ص 138 – 139) رقم (124، 125، 126).
وذكر ابن رجب في شرح “الحديث التاسع والعشرين” من الأربعين النووية: أن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة.
قال تعالى: (لا تحزن إن الله معنا) [التوبة: 40].
قال تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [النحل: 128]. وأن المعية العامة تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم “.
وقال ابن كثير في تفسير آية المعية في: سورة المجادلة (8/ 42) ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه المعية معية علمه “.
قال: ” ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء “. ا هـ.
قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص 115): “وليس معنى قوله: (وهو معكم) [الحديد: 4] أنه مختلط بالحق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان”. اهـ.
ولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إلا “الحلولية” من قدماء “الجهمية” وغيرهم الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
خلاصة القضية:
1 – ): معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
2 – ): هذه المعية حق على حقيقتها لكنها معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق.
3 – ): هذه المعية تقتضي الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا.
4 – ): هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم.
5 – ): هذه المعية لا تناقض ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه.
وقد تقدم توضيح ذلك وشرحه.
وانظر الفتوى الحموية (ص 107 – 120) والعقيدة الواسطية (ص 115) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم في المثال التاسع (ص 409) مختصر العلو (ص 138 – 139)»
الكتاب: الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)
حققه ورتبه: أبو مصعب «محمد صبحي» بن حسن حلاق
الناشر: مكتبة الجيل الجديد، صنعاء – اليمن
عدد الأجزاء: 12