المحكم والمتشابه

نص ابن عقيل الحنبلي على أن الصفات الخبرية في الكتاب والسنة هي من المتشابه وفيها التأويل أو التفويض والمحقق الوهابي عبد المحسن التركي يرد عليه بكلام ابن تيمية!

يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي في «الواضح في أصول الفقه» (1/ 167):

«فصل

فأما المتشابهُ المتعقَقُ بأصولِ الدِّين، فكثيرٌ؛ مثلُ قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71]، {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14] {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92]، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118]، {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121]، {حم}، {الر}، {المر} {حم عسق}، {كهيعص}، {المص}، {ص}، {ق}، هذه الحروفُ في أوائلِ السوَرِ.

فوَجْهُ التَّشابُهِ فيه: تردُّدُه بينَ حقائقَ مختلفةٍ، أو حقيقة ومَجازٍ

=============

وفي الحروف إعجام يزيد على التشابه؛ لأنه لم يوضع لشيء معين، فضلا عن شيئين، فإذا لم يوضع لشيء واحد، فكيف يتردد بين الشيئين؟.

فأما التردد في الوجه: فقد يعبر به عن الأول، كقوله: {وجه النهار} [آل عمران: 72]،وبان انه أراد به الأول من قوله: {واكفروا آخره} [آل عمران: 72]، وقد يعبر به عن خيار الشيء وأجوده، كوجه الثوب، ووجه الحائط، وهو الذي يحسن بالاجر المحكوك، والغزل المحسن، والعمل المجود، وبين هذا العضو المخطط الجامع للمحاسن والحواس.

واليد: بين الجارحة، والقدرة، والنعمة.

والرحمة: بين الرقة، والفعل الدال على إرادة الخير، أو إرادة الخير ودفع الضير.

والغضب: بين غليان دم القلب طلبا للانتقام، وبين التعذيب والانتقام الذي يدل على غضب من يصدر عنه من الخلق.

وعلى هذا الاشتباه جميع ما يجيء من الأوصاف، فقامت دلالة العقل والنص على نفي مالا يليق به مما هو وصف الأجسام المحدثة، وهو الأولية والتخطيط والجارحة، ولم يبق إلا أحد مذهبين: وهو نفس الذات، فيكون معناه: ويبقى ربك، وكذلك قوله: {وكل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] والمراد به: إلأ هو (1).

أو قول أصحابنا بالوقوف عن التفسير والتأويل (2).

‌‌_________

(1) هذا من تأويلات المعطلة، والصواب إثبات الوجه الله عز وجل على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى.

(2) جمهور الحنابلة وغيرهم من أئمة السلف يثبتون الصفات ويعتقدون معانيها،ويفوضون أو يتوقفون في كيفية هذه الصفات، لا عن تفسيرها كما ذكر المصنف.

===============

والنص الذي منع من حمله على الجارحة، وعلى الأول، وحمل الغضب على الاشتياط أو غليان دم القلب قوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، ودليل العقل الذي دل على أنه سبحانه ليس بجسم، ولا مشبه للأجسام (1).

‌‌فصل

في الحروف المعجمة في أوائل السور

وهي من جملة المتشابه، فقال قوم: أسماء لله.

وقال قوم: حروف من أسماء، مثل: كاف: من “كافي”، وها: من “هادي”، وصاد: من “صادق”، أو من “صمد”.

وقال قوم منهم: {الر}، {حم}، {ن}: الرحمان، اسم مقطع الحروف.

وقال قوم: لا يعلم معناها إلا الله (2)

‌‌_________

(1) ذكر المصنف -رحمه الله- لآيات الصفات ضمن المتشابه مخالف لمنهج أئمة السلف، القائلين بأنها ليست من المتشابه، وأن الله يوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله – صلى الله عليه وسلم – لا يتجاوز في ذلك القرآن والحديث، وينظر بسط المسألة في رسالة “الإكليل في المتشابه والتأويل” لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى 13/ 294 – 305.

(2) خالف المصنف هنا أئمة السلف، فالمعتمد أن الحروف المقطعة في أوائل السور ليست من المتشابه، كما يدعيه بعض الأشاعرة، فقد تكلم السلف في معانيها وكلامهم مشهور، وقد ساقه ابن تيمية في معرض الرد على هذه الدعوى في كتابه “بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية” -مخطوط- 2/ الورقة 248 – 249 والله سبحانه أعلم بمراده من هذه الحروف، وفيها إشارة إلى إعجاز القرآن، فقد وقع به تحدي المشركين، فعجزوا عن معارضته، وهو مركب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب، فدل عجزهم عن الإتيان بمثله على أنه من عند الله »

==========

الكتاب: الواضح في أصول الفقه

المؤلف: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (ت ٥١٣ هـ)

المحقق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان

الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ – ١٩٩٩ م

عدد الأجزاء:

السابق
من هم الأشاعرة…؟؟ (منقول)
التالي
والوجه في القرآن على أربعة أوجه عند أبي هلال العسكري/ الأول: مجيئه بمعنى الشيء نفسه، قال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ‌إِلَّا ‌وَجْهَهُ) أي: إلا هو/ ونص الحافظ ابن حجر في معاني الوجه